في سن العاشرة جرّبت توليد أول حيوان وحدها بعد أن شاهدت جدتها مراراً وهي تمارس دور الطبيبة البيطرية إضافة إلى الطب الشعبي، وتعالج الحيوانات المريضة.
القصة بدأت بعد تشخيص من الجدة لحالة إحدى الأغنام المريضة بأنها تحتاج إلى "الغمز" حتى تتمكن من إنجاب حيوانات لا تموت، وتنتهي معاناة الموت المتكررة!
وبالفعل تقول الحاجة فاطمة آل سعيد "أم مكي": "بعد أن غمزت جدتي الغنمة حملت وحينما جاء المخاض كنت أنا القابلة لها وولدتها في أول تجربة توليد لي وكان المولود توأمين وقد عاشا على يدي، وكانت مكافأتي من والدي محرزة فبعدما كبرا وتم بيعهما أهداني ثلاثة "معاضد" ذهبية نتيجة تعبي".
ميراث الجدة
على الرغم من انتشار العيادات الصحية بشكل واسع وانخراط الكثير في المسار الصحي والدأب على دراسة علم الطب والحذاقة فيه إلا أن عيادة "المراخ" الشعبية في القطيف مازالت بوابتها مفتوحة لأفراد المجتمع ومازال مراجعوها يعتادونها بثقة، فيما يمرها البعض حال اليأس من مراجعة المشفى وعند انغلاق الحلول الطبية له، كالمرأة التي تأخر حملها وباتت في جو مضطرب من القلق، فتراها تدق أبواب المعالجات الشعبية من أجل "المراخ" تحديداً.
الحاجة "أم مكي" المنحدرة من بلدة الجش، قد ورثت مهنة العلاج الشعبي من جدتها وتعلمتها منذ الصغر، لكنها أبت أن تمارس هذه المهنة ووضعت ذلك العلم جانباً لسنوات طوال لعدم الرغبة بذلك، وبعد أن طرق عمرها باب الأربعين عادت لمهنتها القديمة استجابةً لنصيحة والدتها لاسيما بعد أن توفيت جدتها.
تحكي آل سعيد بدايتها في العودة للمعالجة الشعبية لـ«القطيف اليوم» موضحة: "لم تكن لي رغبة بالعمل بهكذا مهنة، لكن بعد أن توفيت جدتي نصحتني أمي مراراً بخوض العمل بها نظراً لامتلاكي المهارة والخبرة ومؤكدة علي بأنها مهنة جديرة بالاحترام، ونافعة للناس، ومفيدة لي كونها مصدر رزق، كما أنها باب لتحصيل الثواب".
يد وقنينة زيت
حينما تقبل المريضة كل ما على "أم مكي" فعله هو دهن يدها بزيت الزيتون والبدء في رحلة التدليك أو "المراخ" المصطلح الذي يتم تداوله غالباً في اللهجة المحلية، ومن تطلب "المراخ" غالباً هي من تعاني من أوجاع الظهر والأقدام وكثيرات من المتأخرات في الإنجاب، وتؤكد آل سعيد: "بحمد لله تقصدني نساء من سائر مناطق القطيف للمراخ والعديد منهن قد بشروني بحملهن".
تعدد العلاج
العلاج متعدد كلٌ على حسب حالته فالبعض يراجع "أم مكي" للمراخ وأخرى للحجامة أو الكي، وتوضح: "كل ما علي فعله هو النصيحة لهم بالعلاج المناسب بعد اطلاعي على حالتهم الصحية وتعليمهم بعض التمارين والأسس الصحيحة للحركة عند الجلوس أو حمل الحاجيات الثقيلة".
ثقافة آسيوية
صادفت "أم مكي" عاملة منزلية خبيرة بالعلاج البديل؛ الأمر الذي جعلها تتعلم أمورًا جديدة في التدليك، كما لابنتها الممرضة دور في توسيع الثقافة، وتذكر آل سعيد موقفًا أثناء علاج إحدى المريضات قائلة: "حينما شاهدت ابنة أختي -ممرضة علاج طبيعي- التمارين التي أعلمها للمريضة سألتني مستغربة من أين تعلمتها؟! مؤكدة أنها نفس التي تعلمها للمرضى في المستشفى، وما كان جوابي إلا أنها التي ورثتها من جدتي واللطيف في ذلك هو طلب ابنة أختي الممرضة تعليمي لها هذه المهنة.
أجرة زهيدة
خلال الـ١٧ سنة من ممارسة مهنة المراخ كانت الأجرة على مدة اليد حيث إن "أم مكي" لا تطلب مبلغاً معيناً كما أنها لا تطلب من محدودي الدخل، وبعدها تحددت الأجرة المتعارف عليها بين النساء بـ١٥٠ ريالاً، وتقول آل سعيد: "البعض يستكثر المبلغ فيعطي ٥٠ ريالًا أو ١٠٠ ريالًا فقط، وآخر يتعذر بعدم امتلاكه للمال لكني أرحب بهم مجاناً، وغالباً ما أصرف هذا المال على شراء الفاكهة والحاجيات لتوزيعها في يوم قراءة عادتي الأسبوعية "العزية" على حب أهل البيت.
عزوف
ترجع "أم مكي" قلة الإقبال على بيوت "المراخات" في الوضع الحالي إلى اتجاه النساء نحو الطبيب أولاً، كما لانتشار "المساج الآسيوي" في مراكز التجميل دور فعال لذلك.
أمنية
بعد خوض آل سعيد في ممارسة المعالجة الشعبية لسنوات تصفها بأنها "مهنة على وشك الاندثار" وتتمنى أن تورثها ابنتها الممرضة لتفيد بها الناس.



