ورد عن رسول الله (ص): "يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين" (المستدرك للحاكم ج ٣ ص ١٥٦).
ما هي النفحة الرسالية التي يريد رسول الله (ص) عرضها وإبراز محتواها للمؤمنين والمؤمنات، وهو يستعرض مقاماً شامخاً لابنته الزهراء (ع)، إذ يسمها بالسيدة التي نالت مرتبة شرف لا تضاهى؟
وهذه السيادة لا تقترن بزمان وجودها بل يعم نور هيمنته وعظمته الوجود البشري من بداية الخليقة إلى قيام الساعة، وشهادة المعصوم - بالطبع - لا تنطوي على محاباة عاطفية تغير في حقيقة المقصود بكلمته، بل هو إعلاء لذلك الجوهر الكمالي الذي كانت عليه الحوراء الإنسية، وفتح باب لأفهامنا لتبصر أوجه التأسي والاقتداء بهؤلاء العظماء.
إذا نظرنا إلى سيرتها الشريفة بعين التأمل والتدقيق، فسنجد العطاء وتجسيد الفضائل في كل أوجه حياتها وعلاقتها بربها ومن في محيطها، وكسرت مولاتنا الزهراء (ع) حاجز العامل الزمني في تحقيق أوج كمالها، إذ مع قصر عمرها الشريف إلا أنها وضعت بصمات عديدة فاقت كل تصور بشكل مذهل، لتفتح (ع) لنا باب الطموح وتحفيز القدرات نحو الجدية والعمل المثابر والانفتاح على الآفاق المعرفية والأخلاقية والتحلي بها.
لقد شكلت حياة الزهراء والجوانب المشرقة من سيرتها مرآة جديدة لمكانة المرأة ودورها الوظيفي الأسري والمجتمعي، فما كانت عليه المرأة من امتهان لكرامتها وضياع لحقوقها وشلل في ممارسة دورها، تلاشى بعد بزوغ أنوار الكرامة والحرية للمرأة وحثها نحو ممارسة دورها في تنمية المجتمع وتربية الأجيال بتلألؤ نجم الزهراء (ع)، فالانتماء والولاء والاقتداء بهذه الشخصية العظيمة يحث النفوس نحو التحلي بالفضائل والخصال الحميدة، ففي الوقت الذي كانت تعمر الزهراء (ع) محراب الطاعة والعبادة بالوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته، كانت تمارس دورها التعليمي والتربوي في المجتمع سعياً في نشر الثقافة المعرفية ومحاربة دياجير الجهل.
ففي الجانب العبادي أظهرت الزهراء (ع) تلك المضامين العالية للعبادة وتبيان معانيها التربوية والاجتماعية والأخلاقية، فلم تكن صلاتها (ع) - وحاشاها - مجرد طقوس وهيئة تخلو من المضامين المعرفية التي تنفتح على عظمة الله عز وجل وتنبت الخشية منه وتنشط الضمير الإنساني الرادع والمحذر من مقاربة الخطايا، وتتكامل النفس مع العبادة الواعية وتتحلى بالصفات الحميدة، وفي الجانب الاجتماعي تشكل الصلاة ومجمل العبادات محوراً داعماً لتقوية روح التعاون والتكافل ومد يد العون والتخلص من ربقة الأنانية وطغيان حب الذات.
وهذه الجوانب المهمة تجلت في شخصية الزهراء (ع)، والتي أدارت بيد سبحة ذكر الله تعالى وباليد الأخرى يد العطاء والإنفاق وبلسمة آلام وحاجات المساكين، حتى أشاد القرآن الكريم بصفة الإيثار وتقديم حاجة الغير على النفس، وذلك في سورة "الإنسان"، حيث أشادت آية الإطعام بتلك النفوس السخية التي تستشعر فاقة الآخرين وتقديمها على حاجته.
وهكذا يتضح لنا جلياً مفاد الإشادة النبوية بشخصية الزهراء (ع) العظيمة وما نالته من مقام السيادة، فتفتح لنا مسار الاقتداء بسيرتها واتخاذها منهج حياة على صعيد مختلف جوانب حياتنا وعلاقاتنا، فنكون فاطميين في منطقنا الحكيم وسلوكنا المتزن وسخاء نفوسنا وتعاليها على الشهوات المتفلتة والأهواء المضيعة لنا عن بوصلة رضا المعبود.



