12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لا للمبالغة.. لنأكل باعتدال  

موائد فيها تملأ النفوس طمأنينة وفيها تفتح الشهية ويسيل اللعاب، فالغذاء مربوط مباشرة بالاستمرارية في الحياة والحركة بكل أشكالها، فمن تناول غذاءً مادياً ضمن لنفسه الخروج من مسغبة الجوع والخوف، فهناك الغذاء الروحي المرتبط بالعقيدة والخوض في أغوار الباطن والمداومة على بقاء النفس هادئة ساكنة وادعة تتعلق بما يرضي خالقها، تبحث عن الذات، وهكذا تتكامل عوامل الروح مع مكونات غذاء الجسم.

وقد ارتبط الإفراط أو التفريط في كل من غذاء الروح وغذاء الجسم للنفس البشرية بالحالة المرضية أو على الأقل بالنفس غير المطمئنة، فالإفراط في تناول الأكل يأتي على حساب نصيب الماء والتنفس ولكل ثلث، أما التفريط فيجعل الجسم هزيلاً لا يقوى على الحركة، وبالتالي فإن إقباله على غذاء الروح يقل كثيراً.

لا يزال يغلب على عادة كثير من الناس أن يأكل ما تقع عليه يده، يأكل تلبية لحاجة البطن، يُقْبِل على الطعام وتملأ المعدة بما يمكن ملؤه دون الشعور بالخوف أو يرف له جفن أو يخفق له فؤاد على صحته وعلى قلبه من "الكيف" و"الكم" الهائلين لما يدخل جوفه.

ليس الحل هو أن نمنع أنفسنا من أكل الطيبات أو الاستمتاع بأطايب الطعام، أو العودة إلى عصر الشح والإمكانات البسيطة.

الغذاء شيء لا بد منه، هناك من الناس من يعيش من أجل أن يأكل، والنتيجة بدانة وشهيق وزفير وشخير، وآخرون يأكلون أو قل يتغذون من أجل أن يعيشوا، وهؤلاء لهم خفة ونشاط وحيوية.

فلا ضرر من تناول الأطعمة بكميات كبيرة، ولا نطالب بالكمال في هذا المجال، ولكن أن تصبح عادة يومية فهذا ما لا ينبغي، لما يترتب على ذلك من متاعب صحية خطيرة لتسببها في العديد من الأمراض؛ السمنة، السكري، ضغط الدم، أمراض القلب، فقر الدم.

المسألة تكمن في كم نأكل؟ وكيف نعدل ما نأكل؟ وكيف نقارن ونقنن؟ كيف نعود أنفسنا على السلوك الغذائي المتوازن؟ وأيهما أكثر فائدة للصحة تناول الأطعمة بالكم أو الكيف؟ أم كليهما معاً؟ إنها معادلة صعبة على نحو ما.

إن الجواب على هذه الأسئلة يأخذنا على وجه التحديد إلى الغاية المقصودة من تناول الغذاء.

رغم وصف بعض الأطعمة بأنها مغذية ومقوية، إلا أن سوء الاستهلاك والإفراط في الاستخدام وراء الكثير من الأمراض.

يبالغون في تنويع الطعام، ويستعملون الكثير من الأطباق، وهدفهم من ذلك تحريك الشهية، وهي عادة تثقل المعدة ولمتاعب صحية.

لقد دار الزمن دورته وبعد أن كان كثير من أسباب الأمراض الجوع وعدم تكامل الغذاء وكفايته، أصبحت غالبية أمراض العصر كثرة الطعام وتنوعه والإغراق فيه.

انغمسنا في معركة التهام كبرى حتى فقدنا توازننا، وأصبحنا نلمس كيف أن غذاءنا صار داءنا، وكيف أن أمراض العصر المتخمة أصبحت تلاحقنا وتهددنا.

الزيادة تؤدي إلى أضرار، وكما يقول المثل العامي "كل شيء يزيد على حده ينقلب إلى ضده".

في حين أن المبالغة في خفض أي مكون غذائي لا تفيد من الناحية الصحية، وهذا يقودنا إلى أن نؤكد أهمية مبدأ الاعتدال، كنتيجة وحيدة لتجنب عدد كبير من المصاعب الغذائية المرهقة، فالله عز وجل لم يسخر الغذاء بعناصره المختلفة لنا عبثاً، وطالما أن الإنسان لا يشتكي من أي مشكلات صحية تحول دونه ودون تناول مكون من المكونات الغذائية، فلا داعي لحرمان الجسم منه، فهو موجود بنسبة جيدة ومقبولة صحياً إذا أُخذ ضمن غذاء متوازن، والأبحاث تؤكد أنه مفيد للصحة.

لقد اتضح أن الأشخاص الذين اعتقدوا أن الحرمان أو المبالغة، أنهم بذلك يسيرون بالاتجاه الصحيح كانوا في الحقيقة يسيئون إلى أجسامهم، أجسام مترهلة، لا قوة ولا شباب فيها.

أكبر تحدٍّ يواجهك هو أن تختار أصناف وجبتك بحيث ترضي شهيتك دون أن تضر بصحتك، ولا ترتكب خطأ في ملء معدتك، وتذكر أن شهيتك، وهضمك يجب أن تتكيف بحسب متطلبات راحة بالك، فالعبرة ليست فيما يدخل الجسم من طعام من ناحية كميته، وإنما من نوعية الطعام ومحتواه.

وسيلة هامة تهدف لتصحيح المفاهيم الخاطئة والعادات الغذائية المدمرة التي أصبحت سمة، والبديل الصحي هو كسب وصفات تحقق كل متطلبات الجسم الغذائية، ولا تتسبب في ظواهر مرضية.

كثير من الأمراض التي تداهم الإنسان يكون مردها الإفراط في التغذية، فليس الهدف هو حشو المعدة بالطعام، وإنما توفير حد كافٍ من المغذيات من غير أي آثار سلبية.

ربما اختصرت المراحل التي تمتد بين الجوع والإشباع وبين التذوق والاستمتاع فصلاً هاماً من فصول التحضر ورقي الحس، وإن كانت قد اقترنت بالطعام وأصنافه وطرائق طهيه وإعداده، آداب تعلّم الناس كيف يأكلون ويشربون، فإن في تلاقي أساليب التهذيب في الأكل ما ارتقى بهذه الرغبة في طلب الطعام حفظاً للذات.

وديننا الإسلامي الحنيف، ما من خير إلا ودل عليه ولا شر إلا ونهى عنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة في دنيانا إلا وتحدث عنها، هذا الدين ومن خلال تعاليمه السمحة أشار إلى الغذاء ومصادره، وأنواعه وطرائق الاستفادة منه والتعامل معه، وهذه التوصيات جاءت في كل مصادر التشريع الإسلامي، فقد جاء في القرآن الكريم "كلوا واشربوا ولا تسرفوا"، وجاء في الحديث النبوي الشريف "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، ولو تتبع كل إنسان ما ورد في المصادر الإسلامية حول الآداب والعادات الغذائية، لما احتجنا إلى هذا العدد الضخم من المستشفيات والعيادات الطبية، ومن الوصفات الطبية والدوائية.

هذه الأيام ترى المرضى ممن يبحثون عن وسيلة فاعلة أملاً في الوصول إلى صحة أفضل وجسم أكثر قوة.

جيلنا لا يستمتع بالوجبة إلا إذا كانت مشبعة بالزيوت أو مقلية تحت ضغط حرارة هائلة أو مشوية على الطريقة الأمريكية، فالمتحضرون يأكلون الدجاج في صورة وجبات سريعة، أما المتخلفون فيطلبون "نصف برياني".

السمنة المفرطة هي بسبب كثرة الأكل وقلة الحركة، والنمط المعيشي المتسارع.

• نحن جيل اللحوم المترهلة بجميع أنواعها الحمراء والبيضاء والسوداء، وبكل ألوان الطيف أو ما تصله اليد.

• نحن جيل عزائم المفاطيح ووجبات "الموت الأحمر" بجميع أشكاله.

• نحن جيل "الهامبوغر" و"فريد تشيكن" و"البيتزا" التي غزت ديارنا المثقلة بهمومها الغذائية والتي لا نحتاج إلى مصائب غذائية جديدة.

ومع غياب الوعي والتربية الغذائية غدونا نشفق على أنفسنا وأجيالنا القادمة من مشكلات الإفراط في هذه المآكل، وبدأنا نلحظ الكثير من الناس يجلسون كثيراً ويأكلون كثيراً، بدأ الترهل والسمنة تشكلان هاجساً يؤرقهم، وبتنا نسمع عن أمراض ما كنا نسمع بها أبداً، وموتى لأسباب غريبة، وبعد أن كان الناس يتفاخرون بأنهم لم يذهبوا قط إلى طبيب، أو لم يراجعوا مستشفى، أصبح هناك حكايات وأحداث وآلام، وضاعت الصحة وسط هذا الطوفان!

• تعلّم أن يكون الأكل الصحي مجالاً للمرح والسرور، فستكون أحسن حالاً و أكثر نشاطاً، وستشعر بطعم الحياة ألذ وأطيب، ولن تعرف التعب أبداً.

• وتَعْوّد المشاركة في الطعام فهذا خلق حميد وباب يطرح الله عز وجل من خلاله البركة في الطعام.

لقد كان مذهب أجدادنا في مأكلهم آنذاك ألا يزيدوا على ما يقيم الأود من غير أن يتكلفوا من أسباب التذوق والاستمتاع.

المائدة تعد وتحضر وتفرش من نعم الله عز وجل، ويتحلق أفراد الأسرة جميعهم حولها، ويأكلون بالكميات التي يحتاجونها، ويحمدون الله ويشكرونه على النعمة.

فالغاية المقصودة من الغذاء، حفظ قدرة الجسم وحيويته، وتحقيق نموه، ووقايته من الأمراض، وعن طريق تفهم واعٍ لطبيعة كل غذاء نتناوله وتركيبه وأثره وعلاقته مع سواه من الأغذية، عن هذا الطريق وذاك نستطيع أن تحقق الغاية من تناول الغذاء، وعن الاستمتاع بلذة الطعام من غير محذور، وهذه الغاية تحقق مبدأ الاعتدال "لا إفراط ولا تفريط".

منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي