بضعُ سنين من صباي هي تلك التي أتذكرها بماضيها الجميل، وما مر بها من صور عديدة وعزيزة جسدها إنسان ذلك الزمان.
صور كنا لا ندير لها بالاً، ولا نعيرها اهتماماً، وهي التي تتكرر أمامنا كل يوم، مع الأهل والأرحام والجيران والغرباء وحتى مع البهائم، ربما لأنها أصبحت اعتيادية للناظر والعابر.
صور وذكريات جسدت الإنسانية بكل معانيها الرائعة، وهي التي لم تأت في غالبها من دين وعلومٍ بالمفهوم المعلوم، ولكنها تكاملت من خلال الفطرة السليمة، والعقلية الرزينة والسجية النقية فميزت الخير من الشر، والحسن من القبيح، متلاقحة مع النواميس، رغم غلبة الأمية آنذاك، حيث كان الإنسان مشغولاً بلقمة عيشه الشحيحة، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يحصن نفسه وآدميته، ويحميها ويعطيها ومن حوله معناها الحقيقي والتي بقيت رغم رحيله نستذكرها كلما تأسفنا على حالنا.
صورٌ التصقت بالذاكرة، واعتدنا على إعادة شريطها كلما اشتقنا أو تألمنا، وقد انقلب الحال غير الحال، لندرك متأخرين أنها كانت النسخة الأصلية والأصيلة التي لم تستطع الصور الباهتة التي نخرجها نحن أهل هذا الوقت كل يوم أن تمحوها وتغيبها، بل إنها تجعلنا نخجل مما نحن فيه، ونندب حظنا حين تعيينا الحيلة لتقويم ما نحن فيه وعليه، ولا نستطيع.
بضع سنين تعود بنا للماضي الجميل الذي عايشناه، ونقارن صوره بالحاضر البائس والمزيف الذي يعصف بكل جميل، ذلك الماضي الذي لم يبق منه سوى بعض أطلال يتردد صداها حسرة وندامة علينا وإلينا.
صورٌ خبت إلا القليل من بيوت ونخيل تنوح، وبحر يلطم ويتأوه، وأثرٍ لا نكاد نعثر عليه وقد طمسه الإهمال وأتت عليه وعلى غيره مدنية التصحر، وأكلت أخضره ويابسه.
الحقيقة مؤسفة ومؤلمة حين نستعرض شريط الذكريات، ونشاهد من خلاله بساطة الحياة، وقد تجلت ذات ماضٍ بعيد عرفنا فيه سمو التعامل، ورقي العادات، وصدق العبادة، وأصالة التقاليد النابعة من رحم الإنسانية الحقة، ودون تعاليم دينية وافية، أو مدارس كافية، ولكنها الفطرة النقية والجبلة السليمة التي قومت المجتمعات البسيطة آنذاك، وأضحت متشابهة الأعراف والألطاف، حتى صارت البيوت مفتحة على بعضها، والقلوب منشرحة لرحمها وجيرتها، والأواصر مزدحمة وملتحمة، والثقة عمياء، واللحمة قوية، والنخوة فتية، والشهامة حاضرة، والظلال تغطي الجميع في واحة السلام والأمان.
وكانت العيشة تقطر أنساً ومحبة ونقاء، وكأن القرية الواحدة أسرة واحدة، فلا فرق بين الجار وجاره، والأخ والصديق، والأبناء هم أبناء الجميع والآباء والأمهات للجميع، ولا غرابة إن انتسب الجميع لبعضهم في رحم واحد.
أين كنا وأين أمسينا؟ وقد تغير أهل الزمان، وأخذتهم عجلة الأوهام، وطفرات التغريب والتمرد، ليتنكروا لماضيهم وينبذوه بدل أن يتوارثوه، وكم هي عجيبة غريبة هذه المفارقة، ففي الوقت الذي ساد فيه الرخاء وعمَّ العلم والعلماء وانتشر الدين ورجاله في كل الأنحاء، وامتدت المدنية طولاً وعرضاً، زدنا جهلاً وغربة، وانسلخنا عن أصالتنا وقوامتنا، وتنكرنا لأبسط واجبات ومحرمات ديننا، وتهاونا في عباداتنا، وقست قلوبنا، وانحدرت سلوكياتنا، وأمسينا غرباء عن بعضنا، في المدينة والقرية والمجتمعات وحتى في الأسرة الواحدة، وقد انفرط العقد وتشتت الشمل، وانقطعت الأواصر وانعدمت التعاملات والمعاملات الأصيلة، وفقدنا ماهيتنا وهوياتنا، بعد أن نبذنا الدين وأسقطنا العرف وتخلينا عن الأخلاق السامية، وانشغلنا بالدنيا وزخرفها، ولم نعد نكترث عنها بسواها.
أي واقع بغيض هذا الذي نعيشه، والذي نكاد أن نأكل فيه بعضنا بعضاً، وكأنه لا حسيب ولا رقيب علينا، وقد صرنا نتوجس من بعضنا، ونسقط بعضنا، ونرفع بعضنا بهوى، ونضع بعضنا بهوى دون ميزان وعدل، فلا سلام ولا أمان بيننا، ولا أمانة ولا صدق ولا طمأنينة لولا الرادع القانوني بعد أن فقدنا الرادع الذاتي، والاقتداء بمن سبقونا للخير وصالح القول العمل، وتنكرنا لاتباع الدين، والامتثال للشرع حسب ما أمرنا ربنا عز وجل، وسنه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وليس كيف ما يكيفه هوى النفس، وتزخرفه غواية الشيطان.



