بعد أن ارتحلت بنا نتاليا في ربوع حدائق روسيا الغناء، تسلمنا سفراً لأعمال نصفها الآخر لوحات زوجها الفنان العاشق عبد الستار الموسى الذاهب بريشته لحكايا الأمس وجدران الحنين، حيث مراتع الطفولة وأيام الصبا وسط الحارات الأحسائية العتيقة "الرفاعة"، "الفاضلية"، بيوت الإلفة المفتوحة للسماء وسطوع الشمس وهجير الظهيرة.
ريشة تسمعنا لحن المواويل من وحي روح الشعب الساكن بجوار العيون المتدفقة أنهاراً، نسوة يترنمن طرباً بأزيائهن الربيعية المزركشة بألوان الفرح، والمطرزة وروداً وأزهاراً، يضربن الدفوف في الليالي المزهرات بالأعراس والمواليد، ريشة تطير بنا على أجنحة الشوق بين السحاب الملونة المحتفية بالأعراس السماوية، ثمة كائنات بشرية تسبح طيراناً في الفضاء تحلق بأجنحة الحب والخيال، والطيور شواهد، نشوة هيام يأخذ العشاق بعيداً عن ضجيج أهل الأرض وغيرة الحساد، نسج تعبيرات لوجوه مضمخة بالمكابدات تسأل عن سر الوجود وخفايا الكون.
نسوح بين جنبات المعرض الثنائي، متنقلين بين أعمال الموسى البالغ عددها 22 لوحة، والحاملة بعداً تأويلياً لما وراء العمل الفني، سنستقرئ بعضاً منها:
*خماسية الحلم، خمس لوحات متقاربة الطرح والرؤية، تمثل سلسلة من الأجزاء كل واحدة تكمل الأخرى تحت مسميات حلم "1"، وحلم "2"، "3"، "4"، "5" تتكرر فيها شخصية رجل بعنفوان شبابه، يطير عبر الفضاء بأوضاع مختلفة، ابتداءً من رقدته على الأرض وهو غارق في الحلم، ثم يرى كيانه الجسدي يرتفع للأعلى ويديه مضمومتين إلى صدره، بعدها ينطلق جرياً بين الغيوم كأنه يسابق الريح، وأخرى يتهادى تحليقاً كالطيور المهاجرة، وعند اللوحة الأخيرة نراه يستريح من عناء الترحال مستلقياً على ظهره فوق غيمة واضعاً رجلاً على رجل، يفكر في المسير ولقاء الأحبة، يرمق منازل بلاده من عل في كل حالات طيرانه.
هذه الأعمال الحلمية مستسقاة من حلم الفنان، وهي في الأساس أعمال قديمة، أنجزها الموسى وهو يدرس زمن الاتحاد السوفيتي، ورجل اللوحات الخمس هو شخصية الفنان ذاته، عبر حلم تكرر له عديد المرات، يرى نفسه طائراً في الفضاء مبتعداً عن بلاد الغربة، حلم يطير به سفراً إلى أهله المتعطش للقياهم، وشوقاً لديار الأحساء والأصحاب، فهو المحروم من رؤياهم منذ زمن، ولأن طريق العودة لزيارتهم محكوم عليه سلفاً باللاعودة، ونتيجة لهذا الالتياع والشوق الدائم لوالديه وأسرته ولهفته لديرته وناسها الطيبين، فإنه يتنفس حلماً وراء حلم، يطير في الحلم ولا شيء غير الحلم، يقطع المسافات تلو المسافات متجاوزاً الجاذبية الأرضية والأقطار والحدود ورجالات الأمن، فلا أحد يسأله من أين أتيت وأين كنت، لا استجواب ولا تفتيش ولا جمارك، محلقاً عالياً في الفضاء بأجنحة الطيور الحرة، يصل إلى سماء الأحساء، يحوم تحليقاً فوق بيوتاتها، يراها من بين الغيوم المتطايرة المتوهجة بالألوان الحارة، يبصرها بحرارة الشوق احتضاناً في القلب والوجدان.
أعمال خماسية استلهمها من عالم أحلامه، ترجمها وهو على مقاعد الدراسة بتقنية "الجرافيكس"، ثم أعادها مؤخراً تلويناً على الكنفاس بالألوان الزيتية.
إنها بوح ذاتي جسده الفنان بأصدق تعبير عن نفسه الملتاعة، الممتلئة بحكايا الحنين وأنين السنين، سرد معاناة أوجاع مخفية، ومكابدات مستترة عاشها زمن الفوبيا.



