12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الموسى ونتاليا سفر للحلم والمعنى (14)

كلمة الفنانة نتاليا بمثابة بطاقة شخصية تعريفية، ويطلق على هذا النوع "بيان الفنان" الذي من خلاله نعرف من هو، ديباجة مزج بين السيرة الذاتية والرؤية الفنية بشكل مكثف ومختصر، بعيداً عن نمطية تعداد النقاط "بيوغرافيا"، هو أسلوب غير تقليدي يتبعه البعض لمن يريد أن يقدم نفسه للآخرين بإيجاز، ونص بيان الفنانة دلنا هي من تكون، شهادة موسومة لرؤياها ونظرتها للفن والحياة، رسالة محملة بالمعاني السامية.

السيدة نتاليا فنانة مرهفة الحس حريصة على فنها، وأم متفانية في تربية أبنائها على القيم والمبادئ الفاضلة، فقد رزقها الله بنتين وولدين "سارة - أمينة - علي - مشعل"، البنتان وعلي ولدوا في روسيا والأخير مواليد أبوظبي، جميعهم يتحدثون ثلاث لغات، العربية والروسية والإنجليزية، مثل والدهم، والبنت الكبرى سارة تجيد أيضاً الفرنسية، الأم فقط اللغة الروسية، وأيضاً يجيدون لغة الفن رسماً، والبارزة فيهم "أمينة" التي اشتركت مع والديها في المعرض بلوحة واحدة، تمثل فتاة جالسة فوق أرجوحة قبالة شاطئ البحر، وهبوب النسيم يداعب خيالها الممتد سماء، تتأمل تراقص الموج بأحلام مسافرة، زرقة فضاء وألوان بحر فيروزية مسيطرتان على مساحة العمل.

لوحة صغيرة تنبئنا بقدوم فنانة متأثرة بوالديها وأجوائهما الفنية المعاشة يومياً، تعلمت من مدرستهما منذ نعومة أظفارها، ويبدو ميلها لأجواء عوالم والدتها أكثر.

الأم نتاليا وكما يدلعها زوجها عبد الستار "نتاشا"، لا تزال روحها شابة، عندها الطبيعة سفر دائم، حلم لا ينتهي بأجواء رومانسية غافية على مروج خضراء لجغرافية بلادها الواسعة شجراً وورداً، فهي لا تقدم المنظر الساكن، بل تحييه بهارمونية لونية، مشبع بلمسات الفرش الصغيرة، وتبث فيه الحيوية بوجود الأطفال والصبايا، وتجعلهم يسرحون ويمرحون بتوافق وانسجام في كنف المنظر.

إمكانيات نتاليا الفنية متعددة، فهي تجيد الرسم بمختلف الخامات والأدوات ووسائل التعبير على أكثر من خامة، ومنجزها متسع خارج إطار اللوحة المسندية، نحو حيز الكراسات بتخطيطات شبه يومية، وتسرد فوق الأوراق حكايات مصورة.

منذ عامين تعاونت معها مطبعة نشر لبنانية لتنفيذ قصص مصورة، تمثل سير شخصيات تاريخية وإسلامية لها إسهاماتها الفكرية والعلمية، قصص موجهة للناشئة العرب، نفذت نتاليا الرسوم الإيضاحية لمجريات أحداث النص المكتوب، وقد طبع منها 7 كتب تحت سلسة "صناع الحضارة"، وجاءت العناوين على النحو التالي:
1- زرقاء اليمامة حارسة البلدة حادة النظر.
2- ابن الهيثم يخترع الكاميرا.
3- زرياب أول معهد لتعليم الموسيقى.
4- الزهراوي الجراح.
5- عائشة بنت الأيسر الأميرة الأسيرة.
6- حتشبسوت ملكة الرفاهية والازدهار.
7- البتاني يحدد أيام السنة.

وبلغ عدد الرسومات في هذه الكتب 166 لوحة، منفذة بألوان "القواش والتمبرا".

وتعكف حالياً على مشروعها الذاتي، عبر تنفيذ 6 قصص خاصة بالأطفال من تأليفها ورسمها، حيث بلغت صفحات القصص مجتمعة 400 صفحة.

أنجزت 45 لوحة لحد الآن، وهى مستمرة في رسم لوحات بقية القصص، واحدة منها جاهزة للطبع بعنوان "الجنية والسبع فراشات".

تكمن براعة الفنانة نتاليا في رسم القصص المصورة، نتيجة تخصصها الأكاديمي وموهبتها الفنية في الوقت نفسه، فهي تتوحد مع النص المكتوب سواء من تأليفها أو لغيرها، فكل القصص المصورة من وحي خيالها، فهي لا تتكئ على موديل معين أو صور جاهزة ولا تلجأ للفن الرقمي، هي تعتمد بالدرجة الأولى على مهارتها في فن الرسم والمدعم بثقافتها الواسعة عن حضارات الشعوب والأمم، من آثار، ومعالم، وقراءة التاريخ والتفرس في ملامح وأجناس البشر، ومعرفة الأزياء لكل أمة، وكذا أصناف الحيوانات، هذا الاطلاع المتنوع أعطاها المقدرة على إبراز عناصر الشخصيات التي ترسمها في القصص المصورة، وتجعلهم يحيون ضمن بيئاتهم، إنه صدق في الطرح يقابله حرفية في الرسم.

وهنا الفن ليس نقلاً فقط أو محاكاة عمياء، الفن أن تستلهم كل مرئياتك ومخزونك الذاتي والفني والتقني في إنتاج منجز متفرد عن الآخر وليس صدى له. هذه منهجية الفنانة نتاليا ريدر.

وكم تحرص في كل معرض تشترك فيه مع زوجها على تقديم لوحة يكون أحد أفراد أسرتها ضمن أعمالها المعروضة، سواء بورتريه منفصل أم لاثنين متجاورين، ومن لوحاتها اللافتة والجميلة المشغولة بألوان "السوفت باستيل" لوحة أطفالها الأربعة وهم وسط الخميلة، وقد اشتركت بها في المعرض السنوي الثالث عشر لجماعة الفن التشكيلي بالقطيف 2013 م.

الفنانة نتاليا ريشة مفتونة برسم جزئيات الأوراق وباقات الورود، وتؤلف بلتتها اللونية الثرية غالبية مشهدية العمل، وتعززه بتعبيرات الوجوه الحالمة الوادعة، تبهجنا نظرات ورود بشر بين ورود شجر، تماثل أنفاساً بين أكسجين حياة، أعمالها في المعرض المشترك مع زوجها 2019، جنائن معلقة بالحب والحلم والأمل، لوحاتها نظرات نعيم تسر كل من رأى.


error: المحتوي محمي