12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إعادة تشغيل الروح

كثيرًا ما تقف أمام ظلك، تحدق في مرآة الزمن متذكرًا ما قرأته ذات يوم حول الإنسان ووحدته وتفضيلاته، اللقاءات السريعة، الانبهار بالمشاهد والناس ومن اعتبرتهم ذات يوم عظماء حتى سقطوا مع أول اختبار للحياة أمامك.

«لن يبقى معك إلا تلك الأشياء التي تسللت إلى داخلك ببطء» مقولة استوقفتني كثيرًا، مثل شجرة عملاقة جذورها ضاربة في التاريخ والعمق، متذكرًا سنوات العمر التي مضت ما بين انبهار عابر، وبين حقيقة زائلة، أصدقاء ورفاق طريق، جيران وصحبة الفصول المدرسية، أمسيات ومعارض فنية وأخرى للكتب شددت الرحال لها ذات يوم، أنفقت الكثير من العمر في مواقف ربما أصبحت غير مذكورة إلا في بعض الصفحات المنسية من العمر، جميعها كانت «بدايات مبهرة» انطفأت مع طبيعة الحياة.

معظمنا مر بتلك المرحلة وربما خرج منها مبكّرًا أو لازمته حتى مرحلة عمرية، ليكتشف بأن المرفأ الذي يبحث عنه حينما أبحر في تلك السواحل والبحور «المحيطية منها والمتوسطية» ما كانت سوى بدايات لعصر الانبهار المنكسر في حدقة الشمس.

كانت المرافئ والموانئ قريبة، لكن النظر كان قصيرًا وبعيد المدى، فما كان يرى سوى تلك المراكز، متناسيًا بأن الأطراف ستصبح مراكز في يوم من الأيام.

مع طفراتنا العمرية تأخذنا اللحظات، وربما الجيل الحالي نراه يتفوق علينا مما وفرته له التقنية الحديثة، فأصبح يرى ويناقش وربما يشارك في طرح الرؤى، والتعليم اختلف عن سابق عهدنا، فأصبح المدرس الذي لا يؤدي دوره بشكل جيد لا يستمر، بل يتجاوزه التلميذ بالبحث عن المعلومة، وما عاد أولياء الأمور ينتظرون الفرصة المناسبة ليتحدثوا مع أبنائهم عن سن المراهقة وما يصادفها من تحولات، إذ إنهم أصبحوا مراهقين في سن مبكرة وربما تجاوزوا السن بطرحهم الفكري.

إذن لنعد إلى حواضننا التي أشعلت جذوة الحياة في داخلنا، ونبحث في أعماق كهوفنا وليس ظلالنا عن الذوات المفقودة، ونعيد ترتيب ما تبقى من سنين الحياة في مرافئنا التي كانت قريبة منا، وابتعدنا عنها ذات عمر، ونعيد إشعال الحياة متذكرين الأجهزة الذكية في إعادة التشغيل، حيث إننا تجاوزنا مرحلة البدايات وانطفاء الحياة المعتمة، وأقبلنا على شعلة متقدة داخل أنفسنا، تبهرها جملة في كتاب، وإنسان بسيط قد يمر بكلماته الخفيفة على الروح، وتفتح وردة ذات صباح، ورفيق دائم يستطيع أن يجعل الروح ثرية بالمعرفة والعطاء والحياة.



المصدر: آراء سعودية


error: المحتوي محمي