بعد التقاعد مباشرة عكف الموسى على إنتاج لوحات خاصة، لأشخاص متعددي الجنسيات والقوميات تعرف عليهم أثناء اشتغاله في شركة لوكسار، هم زملاء عمل، أعجبوا كثيراً بأعماله التي أنتجها خصيصاً للشركة، فطلبوا منه تنفيذ لوحات معينة حسب مرئياتهم، فلبى لهم رغباتهم حسب الموضوع والمقاس، وجل الأعمال التي رسمها مأخوذة من نصوص دينية، تخص معتقداتهم، بعضها من فن الأيقونة العريق، وأخرى من قصص السيد المسيح، وبلغ عدد الأعمال 70 عملاً بأحجام مختلفة، وقد استثمرها فنياً ومادياً.
ريشة الموسى باذخة في عبور أنهر الفن وروافده وبحاره، وما يعنيه أن لا تتوانى نحو الدعة والسكون، يحيا يومياً بين عجينة اللون النفاذة زيتاً ورائحة "التربنتينا" فلا يستهويه "الأكريلك" مطلقاً، وله نظرته الخاصة في مسألة الإدامة زمنياً، معللاً كل روائع المتاحف بالألوان الزيتية، فهي الأقوم عمراً والأكثر نضارة ويكيل المديح لخامة الزيت. وإعجابه متوزع نحو عمالقة الفن في كل مكان، ويسميهم العظماء، ومنحاز على نحو معين إلى الفنان الثائر "فرانشيسكو جويا" الإسباني، بل متأثر بنهجه الفني.
ونلمس عند الموسى تلك الروح التعبيرية الطاغية في الكثير من أعماله، ويبقى حراكه بشكل عام متعدد الأوجه والفضاءات على مساحة الكنفاس، يتجنب تكرار نفسه، وكل لوحة عنده قائمة بذاتها ولها كيانها الخاص وكثيراً ما وجه رسائله الشفهية بنقد لاذع: "مع الأسف هناك من يعمل 100 لوحة، والنتيجة كأنك تشاهد لوحة واحدة، أعمال منسوخة عدة مرات، هذا تكرار عقيم، ورؤية ضيقة، وكم رأيت معارض من هذا النوع، والأكثر إيلاماً هناك من يقضي سنوات عمره وهو يجتر ذاته"؟!
انطلاقات الموسى لم تقتصر على معارضه الشخصية، وإنما عزز حضوره في الفعاليات المشتركة بين وطنه السعودية وموطن زوجته روسيا، فقد اختير ضمن الوفد المسافر لإحياء فعالية الأسبوع الثقافي السعودي بموسكو خلال عام 2009 زمن عهد الملك عبد الله، وأيضاً اختير لتمثيل المملكة في الأسبوع الثقافي السعودي الثاني المصاحب للزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان إلى روسيا.
كان أسبوعاً ثقافياً سعودياً مميزاً تعرف عليه المواطن الروسي عن قرب والمعنون بـ "المملكة نظرة من الداخل"، والذي ابتدأ من 2- 8 أكتوبر 2017م، بمشاركة طيف واسع من الفنانين والفنانات في مجالات أدبية وفنية مختلفة، وعن هذه الفعالية قال الموسى لوسائل الإعلام بصراحته المعهودة وبحرصه الشديد: "اليوم الثقافي السعودي في موسكو أكيد هو بداية، المعروض هنا من أعمال لا تعطي الصورة الكاملة عن الثقافة والفن في داخل السعودية، لكنها بداية جيدة، أتمنى أن يكون هناك تبادل ثقافي على مستوى المتاحف والأعمال الفنية والمسرح والموسيقى بشكل عام لتتوثق العلاقة أكثر وأكثر بإذن الله بين الشعبين".
إنها رؤية إنسان حريص على وطنه، بنظرة ملؤها التفاؤل بأن يراها متقدمة في جميع المجالات، ومن ضمنها الفنون، وهي إحدى الواجهات الحضارية للأمم، والتي تفاخر بها الكثير من شعوب ومسؤولي الدول.
وعن هذه المشاركة تم اختيار الموسى لوحده من بين جميع الفنانين السعوديين المشاركين برسم لوحة تمثل خادم الحرمين الشريفين والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهما يتصافحان في مودة وبهجة لتوطيد علاقة متينة ومتميزة بين البلدين، وأوضح عن هذا الاختيار: "رسمت لوحة مقاس 100× 120سم قدمها وزير الإعلام السعودى نيابة عن الملك سلمان لوزير الإعلام الروسي أثناء افتتاح المعرض الفني السعودي في متحف الأرميتاج بموسكو، وكانت هذه اللوحة طلباً من الديوان الملكى، وقد نفذتها خلال أسبوع واحد قبل سفر الوفد الرسمى الى موسكو".
وبخلاف هذه اللوحة المرسومة تحديداً بالألوان الزيتية، فإن جل مشاركات الموسى الدولية دائماً ضمن منجزه "الجرافكي"، والتي امتدت أيضاً ضمن المعرض الخماسي الذي أقيم على هامش منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار "دافوس الصحراء"، في قاعة فندق "الريتز كارلتون" بالرياض من 23-25 أكتوبر 2018، وقد ضم المعرض عبد الستار الموسى والراحلين عبد الحليم رضوي ومحمد السليم، تجاور أعمالهم لوحة "الذروة الزرقاء" البالغة قيمتها 400 مليون دولار، حيث وصلت من روسيا للعاصمة الرياض تحديداً لهذه الفعالية تحت حراسة مشددة، وهي للفنان الطليعي الروسي "كاندنسكي"، وكذلك لوحة أخرى لمواطنه "بافل بافلوف".
معرض نوعي منتقى يحسب لكل القائمين في شركة "لوسكو" السعودية للخدمات اللوجستية، وكذلك للفريق العمل السعودي وبإشراف ومتابعة مؤسسة مسك الخيرية الذين رتبوا وجهزوا ونسقوا هذا المعرض الاستثنائي، والذي يعتبر حدثاً فنياً تاريخياً يحدث لأول مرة، أن تأتي أعمال فنية من روسيا إلى المملكة، إنه عهد جديد يبشر بكل ما هو قيم لخدمة الفن وأهله.
إن كانت اللوحة كاندنسكي تثير الدهشة والفضول حول سعرها ومكانتها الفنية، فإن الموسى يثير فينا التساؤل بتواجده اللامع، برغم مشاركاته في كل الفعاليات الثقافية السعودية الروسية، وتألقه في كل من روسيا وأوكرانيا والإمارات، وبشهادة كبار الفنانين حول مكانته الفنية، وحضوره اللافت ضمن فعاليات لها وزنها وثقلها على مستوى المملكة وخارجها، كيف تنساه مؤسسة مسك من حفل تكريم رواد الفن التشكيلي في المملكة؟!



