بداية لعل عنوان مقالي هذا مصطلح شديد الالتباس، فهو لا يبدو للبعض ثقافياً، فإن أخذت باعتباره مصطلحاً احتماليا فقط فهو أيضاً سيكون شديد الالتباس، احتمال؟! نعم احتمال كما يقولون سباق العمالقة؟! ليس هناك أجمل من الانتظار ولا أمتع، الانتظار يجعلنا نحيا في الاحتمال.
احتمال أن يحصل معنا كذا وكذا، مَن لا ينتظر حدوث أمر ما في حياته يحكم على نفسه بالموت البطيء، حيث الانتظارُ والترقب ليس دائماً سيئاً ولا دائماً مؤلماً، في هذه اللحظة تذكرت مقولة الشاعر الفيلسوف الهندي طاغور: "الزمن يفتح الأبواب لمن يُحسن الانتظار"، رغم إنه بذاته قال أيضا:" الغباء موهبة". لحظة يا من تقرأني لا تشح بوجهك عني ما أنا فحمة ولا أنت فرقد لا بأس إن ضحكت أيها القارئ ربما أضحك معك إن اعتبرته موقفا مستفزا! لقد نسيت الضحك في فترة ما ولكن ربما أضحك على موقف ما يستفزني! وهناك مواقف تبقى محبوسة في أنفاسنا ولعلها تكون أجمل المواقف التي نتمنى البوح بها ولعل الصمت أمام التعبير عنها يزيدها جمالا.
أبحثُ عن ذاتي المتمردة والمشاكسة، أنتظرها وأحيانا لا تجيء، وإن جاءت أبحث عنها من جديد. يُسعدني البحثُ يسعدني الانتظار والاحتمال متأهبة دوما كحد السيف، طويل انتظاري لقد عبرت ومررت بحياتي محملة بثقل التجربة التي خضتها باكراً جداً تعلمت معنى الحرية الفردية، واكتشفت أنها تكمن في التفاصيل الصغيرة، حريتي حين أستيقظ من نومي وأقرر كيف أقضي يومي ماذا افعل أين اذهب إلى آخر تفاصيلي الشخصية الفردية التي تشكل حياتي. عملت في شركة أرامكوا لأكثر من سبع وعشرين عاما وأحتفظ بسيل من الخبرة والتجارب والذكريات، وهذا ما أضاف لي أيضا مزيدا من الاطلاع والمعرفة في مجال الحياة. هناك ثمة محاولات لم تخلُ من الاجتهاد في فهم الحياة فهماً عميقا مختلفاً عما هو شائع لدى البعض، وهي محاولات جريئة في مثل هذا المناخ الباعث على الاختناق، وسط بيئة محافظة تسودها تقاليد وعادات ليست من مستجدات حضارتنا وثقافتنا وحدها، وإنما هي من مستجدات أي حضارة كانت، رغم أننا دوما نسير في الحياة بصيرورة من الأمل والتفاؤل.
كثرٌ الذين تركوا بصماتهم على حياتي وفي وجداني، كثرٌ لدرجة لا يمكن تعدادهم؛ فكل شخص علمني شيئاً ما، وكل كبير تعلمت منه أمراً ما، لكن تظل أمي فاطمة الحياة - رحمها الله - صاحبة الفضل الأكبر بعد الله سبحانه وتعالى، فهي ملهمتي التي أورثتني الحب والنبل والصبر، نعم منها تعلمت الصبر والتوازن، ومنها رضعت حليب الإنسانية، لولاها لكنت شخصاً آخر بالتأكيد، ولكن لا تزال الطفلة التي كنتها يوماً حية تُرزق في داخلي وضميري، في رأيي على المرء أن يحمل طفولته معه على الدوام لأنه متى شاخت الطفولة فينا شاخت أرواحنا معها. الطفولة هي المحرض الدائم على الفضول والدهشة، ومتى حافظ المرء على طفولته روحيا تظل حياته خضراء يافعة.
وأخيرا
قرأت ذات مرة للشاعر الكبير نزار قباني:
إذا لم تستطع أن تكونَ مُدْهِشاً فإياك أن تتحرش بورقة الكتابَة. وهنا أرد قائلة: ولكن قرار التخلي عن الكتابة مهما عظم الإكراه صعب جدا قد أوصف ذلك بصعوبة التخلي عن صدق إنسانيتي، وهذا الأمر حسمته منذ وقت طويل وأنا سيدة نفسي. ولعلي أعلل ذلك بأن الكتابة ليست مهدئا أو مُسَكنا، وأنا صادقة مع نفسي ومع القارئ دون الالتفات لأعداء النجاح الذين يتناسلون بكثرة، ويجب أن أتعلم الارتقاء بعد السقوط مجازا، باعتبار أن السقطة استراحة مُحارب من النجاحِ الدائم لو أن هناك نجاحًا!



