12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

خطيئة آدم .. جنَّةُ آدم

كنتُ أقودُ سيارتي ووقودها الشوق واللهفة، كنت أرى الدنيا من حولي ترقص فرحاً لفرحي، وضجيج السيارات بالشارع سيمفونيات تُطربني، وحرارة الشمس برداً وسلاماً يطمئنني، وكأن ذلك الطريق سماء، وسيارتي طائر يُحلق بي نحو جنتي، وأخيراً جاءتني من انتظرتها ١٥عاماً، "أماني" ابنتي هي حلمي الذي أحلمه باكياً كل ليلة، وأخيراً هبطت إلى دنيانا.

غارقٌ أنا في بحر سعادتي، منتشٍ مُحلّق، لا أعلم لحظات مرت عليّ غمرتني فيها السعادة كما الآن، حتى شككت أنني كنت سعيداً، بِتُّ أُوقِن بأنّني أنا السعادة ذاتها.

لا شيء كان يُزعجني في تلك اللحظات سوى إحساسي بالزمن فقد أصبح بطيئاً جداً، وجهتي ابنتي أريد أن أصل فقط.

وبينما أنا ما زلت ضائعاً مفقوداً في جنتي، وإذا بصوت مفاجئ أخرجني منها عنوةً، صوتُ ارتطامِ سيارةٍ بسيارتي.

خرجت من سيارتي كي أستوعب ما حدث، وإذا برجلٍ ترجل من سيارته واقترب مني كثيراً، إذْ لا تفصلني عنه إلا بضع سنتيمترات، أخذ يشتمني ويُهينني بشتى أنواع العبارات، ثم بصق في وجهي، لم أتمالك نفسي، فرددت له البصقة بصفعة على وجهه، تتلوها صفعات وضربات، لم أمهله لحظة كي يلتقط أنفاسه، ثم قمت بدفعه بقوة مستخدماً كلّ جسدي فسقط أرضاً وارتطم رأسه بعمود إحدى الإشارات المرورية.

لم أعلم ماذا أفعل في تلك اللحظة، فالرجل قد فقد وعيه، أحد المارة الأخيار قام بالاتصال بالإسعاف، ولكن للأسف الرجل قد توفي لاحقاً.

وأنا قد تم الحُكم عليّ بالسجن لمدة ٦ أعوام، وقد قضيت منها حتى الآن ثلاثة أعوام.

سألتموني يا رفاق ما الذي جاء بك إلى السجن؟ هذه كانت حكايتي حتى صرت هنا بينكم.

ولكن لتعلموا أن السجن الحقيقي ليس هو القضبان الحديدية وليس هذه الحجارة التي تُحيطنا.

إن السجن الحقيقي بداخلي، سجن أفكاري ومشاعري، في كل لحظة من كل يوم خلال هذه الأعوام الثلاث التي قضيتها هنا لا يزال الندم ينهش روحي وكأنه جهنمي، يُعاد الدرس عليّ ألف ألف مرة.

والأشدُّ ألماً بأن الـ٣ أعوام التي قضيتها في السجن هي أيضاً عمر ابنتي أماني، التي لم أستطع أن أكون لها أباً حقيقياً، أباً تفخر به، تراه الأمان كله، أباً يمسح دموعها، يُقوي عزيمتها، يقوّمُ أخطاءها ،يَضحك لضحكتها، ويسعد لسعادتها.

أتمنى لو عادت بي تلك اللحظات فأُغيّر اختياري، فحتّى لو قام بضربي لما رددتها له، قد أسأله العفو وإن كان مخطئاً، أو أفّر منه ولو قالوا جبان، أو أطلب المساعدة من الآخرين.

غضبي، سرعة انفعالي، عدم تفكّري، سوء اختياري، حرموني من ابنتي.

تعلمتُ أن لحظةً واحدة فقط قد تُكلّفك أجمل لحظات حياتك.

فتلك اللحظة هي الشجرة وأنا آدم وبفعلي بدت لي سوءتي وطُردت من الجنة.


error: المحتوي محمي