يمم الموسى وجهه شطر الخليج واستقر في دولة الإمارات مدرساً للتربية الفنية في إحدى مدارس أبوظبي الابتدائية ثم المتوسطة، واختلط بالوسط التشكيلي وتخرج على يديه بعض الأسماء مثل الفنان عبد الله العامري وغيره، كما شارك في المعارض السنوية للدولة.
وبرع في رسم لوحة أشبه بالجدارية مقاس 6 × 6 م، جلب قماشها من باكستان، خصيصاً لموضوع العمل الذي يمثل شيوخ حكام الإمارات السبعة يتوسطهم الشيخ زايد، يجاورون بعضهم البعض، يمشون بتؤدة للأمام، يتبادلون أحاديث الإخوة والمحبة.
عناصر اللوحة متماسكة شكلاً وتكويناً ولوناً ومدروسة بعناية فائقة، وهي تحمل دلالات التضامن والاندماج في كيان واحد عنوانه الاتحاد، ومن خلفهم يعلو صقر فارداً جناحيه في هيبة وقوة وشموخ، لوحة فنية رائعة تزين ديوان الرئاسة للشيخ زايد.
ريشة الموسى ارتحلت للفضاء المفتوح تصويراً للحياة البدوية الإماراتية من صيد ورجال وخيام وكلأ، عازفة على تعرجات الرمال الذهبية المنسابة عبر امتدادات الصحراء، ثم انتقلت ريشته لرصد وجوه الشيوخ رسماً، فأنجز عدة "بورتريهات" شخصية وأخرى تراثية علقت في قصورهم وبعض مرافق الدولة.
لقد حظي الموسى بتقدير لافت بعد إنجازه اللوحات الخاصة بالشيوخ، وعرف عند وسط التشكيليين الإماراتي منذ أن وطأة قدماه أرض الإمارات 91، ولا سيما بعد إقامة معرضه الثنائي برفقة زوجته نتاليا، كان ذلك في يوم 1992/1/12 وقام بافتتاحه وزير الخارجية الإماراتي والسفير الروسي، ووجهت الدعوة للسفارة السعودية للحضور لكنها لم تستجب، نظرًا لعدم وجود أي تمثيل دبلوماسي بين السعودية وروسيا، طالما تمثل المعرض فنانة روسية بغض النظر عن وجود زوجها الفنان السعودي، هذه الإشكالية طواها الزمن نظرًا للتحولات التاريخية الدولية وسقوط الأيدلوجية وتغير القناعات وتبدل المفاهيم، وكما يقال "في السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم، هناك مصالح دائمة"، نال المعرض تغطية إعلامية وحاز على إعجاب الجميع.
المعرض هو نفسه الذي تم عرضه في نادي الفنون بالقطيف كمحطة ثانية وتحت العنوان نفسه "من صحراء الدهناء إلى ثلوج سيبريا"، باختلاف بسيط في عدد الأعمال، بين زيادة او نقصان خصوصاً من جانب الفنانة نتاليا.
بعد هذا الحضور المتميز للفنان عبد الستار على المستويين التعليمي والتشكيلي، تربصت به عيون الحساد، فحورب من بعض الإخوة العرب النافذين في سلك التربية والتعليم، فنقلوه للتدريس لمدرسة نائية ضمن إمارة أبوظبي، وقبل بالأمر الواقع على مضض، وبعد مرور 5 سنوات انتهى عقده مع وزارة التربية ولم يسعى للتجديد، لأنه وجد في العقد الجديد إلزامه بالعمل في إمارة الفجيرة، كان بإمكانه استثمار نفوذه للبقاء حيث يرغب، لكنه لم يكن متحمساً لمواصلة التدريس، لأن عينيه مصوبتان على تجارب مغايرة ومختلفة.
ثمة آمال فتحت أبوابها إليه مرحبة بمقدمه، إنها حالة انتقال من عالم الصغار وهم طلاب المدارس، إلى عالم المسؤولين الكبار، وهم شخصيات الدولة في الإمارات العربية المتحدة.
الفنان عبد الستار الموسى ليس فناناً تشكيلياً فحسب، إنما يتمتع بـ"كاريزما"، وبذكاء لماح، منطقه محبب بنبرة موزونة، ومقنعة، وذاكرة معرفية في أمور عدة، هذه الصفات قربته من بعض الشيوخ في دولة الإمارات، فقد انتدب لمكتب ولي العهد الشيخ محمد بن زايد المختص بالقبائل، الذي يعني بأنساب القبائل وتفرعاتها وأصولها وفروعها بين سكان دول الخليج وغيرهم الموزعين في بلاد العرب، والموسى يملك رصيداً معرفياً عن الكثير من القبائل، لقد تماهى مع طبيعة العمل بالبحث الجاد، لكن المتغير الإقليمي، انعكس على مسار إدارة العمل وتم غلق المكتب.
بعد ذلك تقدم الموسى لمشروع فني تفرغ له بالكامل، وهو تنفيذ مجموعة من لوحات تصور الشيخ زايد مع رؤساء العالم، وهي فكرة الشيخ "فيصل القاسمى"، وزير الشباب والرياضة، حيث كان في زيارة إلى دمشق، وبهذه المناسبة رسم الموسى الشيخ زايد مع الرئيس السوري حافظ الأسد، نشرت تلك اللوحة وأسر بها القاسمي وبعد رجوعه من الزيارة طرح على الفنان تنفيذ سلسلة لوحات توثق الشيخ زايد مع رؤساء وزعماء وملوك وقادة الدول كل على حدة، شمر الفنان عن ساعديه في تنفيذ المشروع وأنجز 6 لوحات، ولم يكمل الباقي نظرًا لتأخر مستحقاته المالية بعد إنجاز 4 لوحات مكتملة.
ومنذ مطلع 97 تنقل الموسى بين الإمارات وأوكرانيا وروسيا، ضمن جولات عمله كمترجم للدائرة الخاصة بالشيخ زايد وتحديداً مع الشيخ طحنون، ثم قام بأعمال تجارية لبعض الشيوخ مع كل من روسيا وأوكرانيا، بعدها دار خلاف مع أحدهم، مما اضطره لترك العمل والتخلص من كل التزاماته.
الموسى ألقى التحايا مضاعفة للإماراتيين حكومة وشعباً، تحايا حب وسلام على حسن الضيافة المعنوية والتقدير الشخصي اللذين لقيهما من المسؤولين والمواطنين، وكم يفخر الموسى بتجربته الإماراتية ويعتز بها أيما اعتزاز.
ومع اقتراب نهاية 2006 وقبل أن يلفظ العام أنفاسه، حزم الموسى حقائبه مودعاً الغربة الطويلة بعد أن استنزفته الأسفار، وضجيج المطارات، وعذابات البعد عن الأهل والخلان طوال 31 عاماً، زاده الشوق أشواقاً والحنين أضعافاً لأرض مولده، لهوائها وسمائها ومائها ونخيلها وجميع ناسها ولكل الأحباب.



