12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في تاروت.. «الصناع» من طفل مشلول متمرد على نصائح طبيبه .. إلى بطل العالم في الجري

«كل ممنوع مرغوب» مقولة تتأرجح بين التأييد والرفض، وقد يجازف بعضنا بتحدي ما منع منه، لكن أن يتحول الممنوع لإبداع وإنجاز، فذلك حتمًا يحتاج لمعجزة.. العداء نور الصناع لم يكسر القاعدة فقط بل كسر «كرسي الشلل» وأخذ يعدو نحو الحلم، قطع منه 4 أمتار في طفولته، وانتهى لـ 400 متر في هذا العام 2019.

إبرة حمى وشلل
بداية الحكاية كانت وهو طفل في السابعة من عمره، بعدما أصيب بالحمى، وكوضع طبيعي ذهبت به أسرته للمستشفى ليتلقى العلاج، لكن كوضع غير طبيعي علاجه انقلب ضده فتحولت إبرة المسكن إلى سبب في إصابته بشلل الأطفال.

يقول الصناع لـ «القطيف اليوم»: "جعلتني تلك الإبرة مقعدًا، وغير قادر على المشي، وبعد معاناتي والبحث عن المستشفيات التي كانت غير قادرة على علاج الحالة، ذهبت أمي وخالي بي إلى مستشفى السعودي الألماني، وخضعت لعملية بإشراف دكتور خالد البترجي، وبعد العملية استطعت أن أمشي".

المفاجأة لم تكن فقط في نجاح عمليته وقدرته على المشي مجددًا، الشق الآخر للمفاجأة أن يمنع الطفل نور من ممارسة الرياضة، فقد نبه الدكتور على عائلته أن لا ينخرط في المجال الرياضي أو العسكري.

قدم!
«لم أكترث».. هذه العبارة التي واصل بها «الصناع» حديثه كانت باب الانطلاقة نحو العالمية، ومن هذا التحدي الطفولي أيضًا بدأت فصول أخرى لبطل سباقات الجري.

ويسترسل في قصته قائلًا: "مثل أي طفل طبيعي يحب الرياضة وكرة القدم، فكنت أنظر لزملائي التلاميذ في المرحلة الابتدائية كيف يلعبون الكرة ويركضون وأنا تكبلني قيود المنع الطبية من ممارسة الرياضة بكل أنواعها"، ويضيف: "لكني لم أكترث، وبعد سنوات من العلاج الطبيعي استطعت أن أجري وألعب الكرة القدم، وأصبحت بعدها لاعبًا مميزًا، يراوغ، ويسجل أهدافًا، أهداف كرة القدم تلك جعلتني أيقن أنني شخص مميز وأرغب بالفوز، فطورت نفسي أكثر وأكثر بالتدريبات".

لاعب قوى
التحق «الصناع» في عمر الـ14 بنادي الهدى بتاروت، ومن خلال أخواله اختار ألعاب القوى، ومن ثم اختاره المدرب الحاج حميمي صحراوي كي يمثل النادي في سباق ضاحية الشرقية، وهنا كانت المفاجأة؛ يقول: "تغلبت على جميع زملائي في النادي في سباق 4 كم، وبعد موسم واحد أحرزت بطل الشرقية، وبطل المملكة في سباقات الجري مع الأصحاء، ومن هنا بدأ عشقي للجري وأصبح إصراري يزداد يومًا بعد يوم".

في سن الـ16 استطاع أن يحرز ميداليات في درجة الممتاز مع الرجال في سباق 5000 م و10000 م، وتأهل لبطولة العالم في ألعاب القوى صغار، في سباق 3000 متر للأصحاء.

محرك المعجزة
ما حدث مع «الصناع» كان أشبه بالمعجزة، فمن طفل حدد الطبيب حركته إلى بطل في سباقات الجري، وعن الحافز المحرك لتلك المعجزة قال: «إيماني بالله والتوكل عليه، ودعاء الوالدين»، مضيفًا: «لقد أقنعت نفسي أن هناك فقط إصابة وليس شللًا، فتأقلمت على ذلك وتعاملت مع نفسي على أنني إنسان طبيعي وليس لدي شلل أطفال، طورت نفسي وتدربت لسنوات فزادت قوتي وثقتي بنفسي وتوكلت على الله حتى أصبح أقوى من أي شخص آخر في سباقات التحمل والسرعة».

وتابع: «تحديت الأصحاء وتغلبت على أفضل عدائي المملكة، كما أنني خضت بطولات دولية في أمريكا، وأصبحت بطل المملكة في مرحلة الناشئين والشباب، وفي مرحلة الجامعة أصبحت بطل ولاية أريزونا في سباق 5000 م وأفضل عدائي جامعات أمريكا، وبعد 20 سنة من التدريبات والشغف على الإنجاز تمكنت من إحراز لقب بطل العالم في 400 م في فئة البارالمبية».

هندسة الجري
نور الصناع بعيدًا عن الجري، شاب منحدر من منطقة تاروت، حاصل على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية، وبكالوريوس رياضيات من جامعة نورثن أريزونا أمريكا، يعمل كمهندس مشاريع في "شركة لارسن آند توبرو" إحدى الشركات المتعاقد مع شركة أرامكو، رجل أعمال ومستشار مؤسس في التجارة الإلكترونية بالقطيف.

وبين دراسته للهندسة الميكانيكية وبطولاته في الجري، يرسم «الصناع» رابطًا خفيًا بينهما، يقول: «الجري حركة ديناميكية تمزج بين حركة الرجل مع حركة الأيدي، ومن خلال التكنيك الصحيح تستطيع أن تربح الطاقة والسرعة لمدة طويلة في سباقات التحمل والسرعة».

هي الأم
«وراء كل رجل عظيم امرأة» قول شائع، وفي حياة «الصناع» كانت الأم هي المرأة التي صنعت عداءً عظيمًا، أكد ذلك بقوله: «أمي وراء كل نجاحاتي، وهي الداعم الأول لي».

ولا ينسى دور أهله وأخواله، فهو يعتبرهم داعمًا رئيسيًا له، ويتوج زوجته الدكتورة روان بتاج المساند له في بطولة العالم.

متابعة طبية
بالتأكيد ما فعله «الصناع» كان تحديًا، وربما مجازفة بنتائج العملية التي أعادت قدميه للمشي، ولكن أن يجري ويشارك في بطولات، لابد له من متابعة طبية خاصة، عن ذلك يوضح أنه للآن يعاني من الشد في الأعصاب والأوتار، ولكنه لا يتابع أي طبيب، مؤكدًا أن ذلك لم يجعله يتوقف عن التدريبات وتقوية عضلات رجله.

يعود بذاكرته لتلك الآلام التي كان يعاني منها بعد العملية، ويقول: «العملية كانت مؤلمة، كانت رجلي ضامرة، والحركة فيها معدومة من الجانب، والحركة الأمامية للقدم شبه معدومة، ولكن بعد مرور سنتين تغلبت على هذا الألم بالعلاج الطبيعي شبه اليومي في المنزل والمستشفيات».

برنامج يومي
كل إنجاز يحتاج لإعداد مسبق، وإعدادات العداء «الصناع» يوجزها بالتمرين ساعتين في اليوم، أما خلال المعسكر 4 ساعات؛ ساعتان في الصباح، وساعتان في المساء.

في السباقات
خلال السباقات، صادفت العداء نور بعض اللحظات الصعبة، والمحرجة، والسعيدة أيضًا، ومن المواقف الصعبة يذكر لـ«القطيف اليوم»: «سقوطي في نهائي سباق 400 م بطولة العالم لألعاب القوى 2017 في لندن، حيث كنت مرشحًا للمركز الثاني، ولكن سقطت في آخر 10 أمتار من نهاية الخط، وهذا شعور كان مؤلمًا لي، ومحبطًا بعد عناء من التدريب الجيد والمعسكرات، ولكن لم أتوقف ورجعت بعد سنتين في نفس السباق وحققت الذهبية».

أما المواقف السعيدة، فيلخصها: «أجمل المواقف وأسعدها هو الفوز، فطعم الفوز مختلف، وأيضًا الحصول على أصدقاء من جميع أنحاء العالم وهذا الشيء يسعدني كثيرًا».

وعن المواقف التي تسببت له بالإحراج، قال: "أبرز تلك المواقف كان مشاركتي في سباق الخبر الخيري لذوي الإعاقة الحركية، وبعد فوزي قرر الحكام إلغاء نتيجتي بسبب رئيس اللجنة، وعدم تمكنهم من معرفة نوع إعاقتي وطلبوا مني إثبات ذلك! فأنا لاعب معروف، وحصلت على ذهبية بطولة العالم لألعاب القوى 400 م، تصنيف حركي، فكيف لي أن أثبت ذلك، وأنا مصنف من قبل اللجنة الدولية وأمثل المملكة العربية السعودية في البطولات الدولية، وللآن أنتظر ردًا مقنعًا منهم وإعطائي حقي".

نتائج مُرضية
لا أحد يصل للكمال حتى وإن اقترب منه، إلا أن البطل الحقيقي هو من لا يخجل من ذكر إخفاقاته، وحول سؤالنا عن البطولات التي لم يتمكن "الصناع" فيها من تحقيق أرقام مرضية، أجاب: "هناك بطولات تكون جاهزية اللاعب فيها ناقصة، ومن الممكن أن يفشل في تحقيق أرقام مميزة في بعضها"، مضيفًا: "في بطولة دورة الألعاب الآسيوية في جاكرتا – إندونيسيا، استطعت أن أحطم رقم العالم في 400 م، وفي بطولة العالم لألعاب القوى 400 م استطعت أن أقترب من هذا الرقم رغم إصابتي بتمزق في العضلة الخلفية قبل السباق".

طموح
طموح «الصناع» لا يحده سقف، فهو يطمح إلى تحقيق ذهبية بطولة العالم لألعاب القوى 2022، وذهبية الأولمبياد، كما يطمح أن يكوّن فريقًا باسمه ويشرف عليه لاكتشاف مواهب صغيرة جديدة، وصقلها وتحفيزها على التطوير.

رسالة
وجه «الصناع» رسالة معبرًا عن رغبته أن تصل للجميع، يقول فيها: "ليس هناك مستحيل، إن كنت أستطيع تحقيق أمر ما فأنت أيضا تستطيع "، مضيفًا: "أيضًا ادعموا منجزي الوطن، فأنا حتى الآن لم أحظ بأي تكريم محلي يليق بإنجاز" ، وختم متسائلًا: "أين هم الداعمون للمنجزين؟".

أبرز الإنجازات
- ذهبية بطولة العالم لألعاب القوى 400 م في دبي 2019م.
- ذهبية دورة الألعاب الآسيوية في جاكرتا 2018م.
- فضية دورة الألعاب الآسيوية في جاكرتا 2018م.
- الرقم القياسي العالمي في 400 م و800 م.
- بطل المملكة في مرحلة الناشئين والشباب الأسوياء.
- بطل ولاية أريزونا في سباق 5000 م.
- بطل جامعة نورثن أريزونا أمريكا سباق 3000 م.

أزمنة قياسية شخصية حققها الصناع
- 400 متر : 52:99 ث ويعتبر الرقم القياسي العالمي في 400 م .
- 800 متر: 1:53 ث.
- 1500 متر: 3:51 د.
- 3000 متر: 8:14 د.
- 5000 متر: 15:20 د.
- 10 كيلومتر : 29 د.
- نصف المارثون: 1:06 س.



تنويه: مصدر الصور الكابتن نور الصناع


error: المحتوي محمي