أخذتنا أعمال الموسى سفراً لماضينا الجميل المشغولة بالثنائية اللونية (الأسود والأبيض)، وكأننا نقلب صوراً فوتوغرافية قديمة، عوالمها تنتمي إلينا وننتمي إليها برغم عاديات الزمن.
ثم انتقلنا لزمننا الحاضر عبر أعمال زوجة الموسى الفنانة (نتاليا)، وهي رسامة متخصصة في كتب رسوم الأطفال، تتعامل مع مختلف الوسائط ووسائل التعبير، القواش، والمائي، الزيت، والأحبار، والسوفت باستيل، وأقلام الرصاص والفحم، نقف عند لوحاتها البالغ عددها 28 لوحة، حيث يتألق بهاء اللون ونضارته بانسيابية هرمونية، لبيئة مغايرة عن بيتنا.
نرى أجواءً حالمة من طبيعة بلادها روسيا، حيث الغابات الماطرة، العبقة بالورد والزهور، مشاهد لغابات البتولا بأشجارها السامقة ذات الأغصان المتشابكة والمزدانة بكثافة الأوراق المتدرجة بألوان الفصول، دقة في رسم التفاصيل، وملامس السطوح، بين رقة الورد، وخشونة لحاء الشجر، ونداوة الوجوه الطفولية.
بعض أعمالها ترصد طبيعة بلادها المتنوعة والثرية بالجنان، وترى الفنانة في رسم عموم الطبيعة الغنى الفني الكامل والمتكامل لكل هاوٍ أو محترف الفن، وبالإمكان لأي فنان أن يستوحي منها ما يشاء بغض النظر عن أسلوبه أو نهجه الفني.
إن تعلق الفنانة بالطبيعة وتشبثها بتدوينها ومحاكاتها في أغلب أعمالها، هو توق لجلال الطبيعة اللامتناهي، فهي تحيلنا إلى رؤية الفنان الروسي الكبير المفتون بالتعبير عن طبيعة بلاده الساحرة، وهو أحد أشهر رسامي المناظر الخلوية الروسية (اليكسي سافراسوف)، يقول: "روحوا إلى الطبيعة، فالجمال هناك يستحيل تفسيره، الربيع، يجب التعلم من الطبيعة، تجب رؤية الجمال وفهمه وحبه! إذا لم يكن ثمة حب للطبيعة، فلا داعي للمرء أن يكون رساماً"، فالفنانة نتاليا تسير على هذا النهج فهي كثيرة التأمل والتعلق بالطبيعة، وحتى رسوماتها لقصص الأطفال تكون الطبيعة حاضرة فيها، وأيضاً تجيد رسم البورتريهات رسماً مباشراً وبمختلف الخامات.
وفي المعرض الثنائي مع زوجها، نوعت في أعمالها فلم تقتصر على الطبيعة فقط، أيضاً قدمت لوحات عن الفرس العربي والطبيعة الصامتة، وأبرزت حيوية الوجوه النضرة وبراءة الطفولة ووداعة الأمومة ورقتها، فنرى أعمالاً تصور المرأة الخليجية بكامل زينتها بتعبيرات مليئة بالدفء والرقة والمشاعر الإنسانية النبيلة، وثمة إعجاب من قبل زوار المعرض دار حول أعمالها الفنية المتنوعة، فهي بحضورها الشخصي والفني عرفتنا على مقدرتها الفنية وعلى انحيازها للجمال في كل مكان، وقربتنا من طبيعة بلادها الثرية ومن ريشة مبدعة من بلاد كانت مغيبة عنا في كل شيء طوال سنين خلت، فلم يسبق أن عُرضت أعمال لفنانين تشكيليين روسيين بالمملكة، فهي تعتبر أول فنانة تقدم فنها للجمهور السعودي.
أعمالها تبلغنا كيف صاغت تصوراتها عن انفعالات البشر الفرحة والمشرقة، والسفر الرحب لجمال الطبيعة الخلابة في بلادها، والفنانة نتاليا قبل التحاقها للدراسة في أكاديمية "سوريكوف" بموسكو امتلكت حساً فنياً منذ الصغر، حيث الطبيعة الحية ملأت حواسها، والمترجمة لوناً بخامة الزيت عبر لوحات كبار عمالقة الفن والمعروضة في مدينتها "كراسنويارسك" المليئة بالمتاحف والمرتبطة باسم الفنان الروسي المشهور "فاسيلي سوريكوف" الذي ولد في المدينة وترعرع وعاش خلال الفترة (1848-1916)، ونظراً لمكانته الفنية وأثره البالغ الذي تركه في مسيرة الفن الروسي، سميت أكاديمية موسكو باسمه، وهناك "مركز كراسنويارسك" للمتاحف الذي يضم قاعة لعرض اللوحات الفنية ورواق الفن المعاصر، بالإضافة لمتاحف أخرى منها تاريخ المدينة ومتحف نصب النصر، ومتحف جيولوجيا سيبيريا الوسطى، ومتحف الباخرة (القديس نيقولاي) المليء بتماثيل المشاهير، ومتحف تاريخ الطب ومتحف التشريح ومتحف الغابات، وغيرها من المتاحف الكثيرة المنتشرة في جميع أنحاء المدينة.
هذه الأجواء الفنية من المتاحف العريقة التي تعودت عليها نتاليا منذ طفولتها تركت فيها أثراً بالغاً، وانعكست على موهبتها وذائقتها الفنية، وعبر ريشتها الرقيقة المحملة بالحرفية الأكاديمية والخبرة المتنوعة، وهذا المخزون الفني المتعدد من الممارسة والمشاهدة التي تملكها، فقد قدمت أجزاءً من تجربتها الطويلة لمحبي الفن في القطيف خاصة وتعرف عليها المجتمع التشكيلي في وطننا الغالي عامة.



