هل يمكننا تصور وصول الزوجين بعد علاقة اتسمت بالتفاهم والمحبة والثقة إلى طريق مسدود، وظهور بوادر التفكير بالانفصال بغية الحفاظ على ما تبقى من ود بينهما؟
نعم يمكن تصور ذلك لعدة عوامل.. ومنها:
الإهمال العاطفي بترك الرعاية والاهتمام بمشاعر شريك الحياة ومعاناته وآماله، فكم من الزيجات التي كانت تسير في استقرارها ونجاحها بدلالة مؤشر قوي في علاقة طرفيها، ما فتئت أن تردت وانتكست وفاجأت الجميع من حولهما بانفصالهما!
العلاقة الزوجية كشجرة تحتاج في إنباتها ونموها إلى الرعاية، وبالتأكيد فإن إهمال الاهتمام بها سيؤول بها نحو اليبوسة والاصفرار، وري العلاقة الزوجية يورق الإحساس بوجود الآخر والاهتمام به والسؤال عما يشغله من هموم وما يتطلع له من آمال مستقبلية؛ فالأحاديث الودية بين الزوجين تقوّي لحمة علاقتهما وتقرب أفكارهما وقلبيهما وتثمر التفاهم والثقة بينهما، وأما إهمال الرعاية وتغذية مشاعرهما بتبادل الكلمات الرقيقة والثناء على دور الآخر الوظيفي في الأسرة يخلق فجوة عاطفية بينهما، كما أن جرح مشاعر شريك الحياة يؤلمه وذلك من خلال عقد المقارنات وتعمد إظهاره بمظهر المقصر، بخلاف ما لو رأى منه تقصيرا وتوجه له بالنصح بهدوء فإن ذلك يقوي علاقة التكامل بينهما.
من المستغرب من البعض أنه يتعامل مع شريك حياته ليس بمنطلق الرعاية وإسعاده ومشاركته همومه وآماله، وإنما من منطلق التحجر العاطفي مهينا وجوده بالتعامل معه وكأنه قطعة أثاث جامدة بلا مشاعر!
ومن عوامل اهتزاز الرابطة بين الزوجين هو الروتين القاتل الذي يسيّر علاقتهما بلا تجديد يضفي الحيوية والتغيير الإيجابي، فالتعبير عن المشاعر يجدد ويقوي علاقتهما وأفضل أوقاته هو ما يقع خارج الإطار التقليدي، ففي نهاية الأسبوع يمكن لهما التخفف من ضغوط الحياة والعمل؛ من خلال التنزه والخروج عن أجواء البيت الاعتيادية مما يضخ التجدد والجاذبية.
وتقديم الهدايا المعبرة عن المشاعر الصادقة يجدد حبل الود والتشوق بينهما، فالهدية لا تستمد مكانتها من قلب شريك الحياة من جهة قيمتها المادية، ولكنها مكانة معنوية تبرق رسالة للآخر بأنه ساكن في وجدانه ويتشوق لرؤيته سعيدا وهانئ البال.
ولعل البعض يخترق ذهنه ويغزوه ما يرد في المسلسلات من تمثيل الحياة المثالية بين الزوجين، وأنها تخلو من أي خلاف ويعمها المرح والتنزه والكلمات العاطفية الرقيقة، وكثير من ضحايا المواد المرئية يعقدون المقارنات بما يرونه مع شركاء حياتهم.
ويحتاج هؤلاء لمن يوعيهم بحقيقة العلاقة الزوجية وأنها شراكة قائمة على التفاهم والحوار وإسعاد الآخر وتبادل المشاعر العاطفية الصادقة معه، وما يواجههما من خلاف أو سوء فهم أو مشكلة فيمكنهما تجاوزه من خلال الحوار الهادئ واستماع الآخر والتسامح.
ومن الخطأ ما يلجأ له البعض من الصمت وتجاهل شريك حياته حتى تبدأ مساحة الحب بينهما تنحسر وتتلاشى حتى يكون الانفصال العاطفي متسيدا مشهد علاقتهما، فهذا تهرب من تحمل المسؤولية لا يأتي منه إلا النتائج المخيبة، والبدء في معالجة الوضع والبحث عن حلول ممكنة يخفف وطأة التأزم بينهما ويعيد لهما شيئا فشيئا الاستقرار.
وقد تحدث ردة فعل عند البعض وهو يتوقع مبادرة الآخر لمد جسور الود معه، مع أنه لو بادر إلى تهيئة الأجواء الهادئة والحديث الودي الجميل فبالتأكيد سيلقى مثل ذلك، فكن في علاقتك الزوجية مبادرا لنسج علاقة الحب والتفاهم حتى تكون في المستقبل علاقة تبادلية.
ويعاني البعض من بخل وجفاف عاطفي فلا يستطيع أن يعبر عن حقيقة مشاعره تجاه شريك حياته، ولا يسمعه من كلمات المحبة والإطراء على مواقفه مما يسبب توترا في علاقتهما، وذلك أن الكلمة الرقيقة هي الهواء الذي يتنفسه الزوجان ولا غنى لهما عنها، وبالتأكيد فإن عامل التربية والأسرة التي عاش فيها قد أكسبته هذا التبلد الوجداني، ولكن هذا لا يعني أنها صفة ثابتة لا يمكن تغييرها من خلال اتباع الخطوات اللازمة للتقرب منه ومنها البعد عن روتين الحياة بينهما والبحث عن أجواء هادئة في نزهة يتبادلان فيها الأحاديث، وكذلك التحلي بالصبر أمر مهم في التطلع للنتائج حتى يرى بوادر التغير.
وأعباء الحياة وضغوط العمل وأعباء تربية الأولاد وترتيب المنزل ليست بأعذار لإحداث فجوة عاطفية بين الزوجين، فتقسيم الوقت يفسح المجال لهما لتخصيص وقت يومي - بحسب ظروفهما - لتبادل الأحاديث وبث الهموم وتبادل وجهات النظر عما يواجهانه من مشاكل وتطلعات مستقبلية.



