من الطبيعي أن القلوب إذا تشابهت اجتمعت وإذا اختلفت تفارقت، وعليه فالناس مختلفون في تآلفهم وانسجامهم وتقاربهم تبعًا للثقافة والعواطف والأولويات والأساليب والمصالح، فضلا عن الذوق والأدب واللباقة.
تجد البعض ممن يتحلون بالأخلاق الفاضلة والذوق الرفيع - يعيشون في بقعة جغرافية واحدة، وقد يكونون أرحاماً أو زملاء عمل أو شركاء تجارة - غير منسجمين فيما بينهم أبدا ، بل إن إيحاءات النفور والانزعاج النفسي بلا حدود ، وقد يصل هذا النفور النفسي للاشمئزاز الكامل الذي لا يستطيع الإنسان الصمود أمامه بحال من الأحوال ، وربما يكون ذلك مدخلًا للفتنة والخصومة والتربص والعداء.
ورد في الأثر ( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلَف ، وما تناكر منها اختلف) ..
يرجع بعض الروحانيين هذا التآلف وعدمه إلى عالم ما قبل الدنيا أو ما يسمى بعالم الذر أو عالم الأرواح المطلقة ، وهو العالَم الذي امتحن الله فيه الخلائق واصطفاهم . ورد في زيارة سيدة الوجود أم أبيها فاطمة عليها السلام (السلام عليك يا ممتحنَة، امتحنك الذي خلقك قبل أن يخلقك ... ) .
إن نمو العلاقات الإنسانية المتينة والدائمة يحتاج إلى أساس حقيقي تُبنى عليه ، ولا يمكن ذلك لولا وجود قواعد راسخة من الحب الأزلي بنيت مسبقا وكان بناؤها محكما .
ما نراه - أحيانا - من ميول لا إرادي واندفاع بلا حدود وبدون مبررات يعود باعثه الحقيقي لعالم ما قبل الدنيا حيث التوافق والانسجام والمحبة ، والعكس صحيح .
وعليه : المحبون لبعضهم - في أغلب الأحيان - يبقون على ذلك حتى الرحيل . ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام ( لنا قوم لو أسقيناهم العسل المُصفَّى ما ازدادوا فينا إلا بغضًا ، ولنا قوم لو قطعناهم إربًا ما ازدادوا فينا إلا حبًا ! ) ..
صحيحٌ أن هناك بعض العلاقات الإنسانية السلبية للغاية تحولت لإيجابية بطرفة عين ؛ غير أني أعتقد أن دوامها بهذا الحال من المحال إلا ما ندر ، مع احترامنا الكامل للرأي القائل بأن العلاقات بعد الخصومات هي أقدس العلاقات الإنسانية ؛ إلا أن هذا القول - أيضا - يحتاج إلى دراسة وبحث مستفيض وتجارب الناس تقول بخلافه ؛ غيرَ أن ذلك لا يمنع وجود حالات وتجارب خاصة ينطبق عليها .
وأما السر الذي يحول بعض العلاقات الإيجابية لسلبية ؛ فهو الاستسلام لهوى النفس وعدم مجاهدتها فيما تبتغيه ، وتلوث الفطرة السليمة فيما بعد ، فضلا عن وجود شوائب نفسية في أصل وجوهر العلاقة ولكنها لا ترى إلا بالمجهر .
تجد الصديق يعيش مع صديقه عقودًا من الزمن وكأنهما روحان في جسد ، ثم يتحول أحدهما عدوا للآخر لأنه لم يتحمل أن يرى نعم الله على صديقه ونسي قوله تعالى : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) ، يتمنى أن يرى صديقه دونه أو يوازيه فقط وإلا فهو من أعدائه .
إن هذا الصديق المتلون تبعًا للظروف والأحداث لم يكن يوما صديقا حقيقيا خالصاً ، وإنما صديق مزيف أجاد فن التمثيل في مراحل متعددة ولكنه في النهاية لم يستطع إكمال الدور.
ولا يختلف هذا الصديق في نظري عن المرأة التي تزوج عليها زوجها ؛ فأقامت الدنيا وأقعدتها ، وأشعلت قلوب أبنائها نارًا ، وسعت لهدم عِش الزوجية وإلحاق أكبر الخسائر المادية والمعنوية اعتقادًا منها أن هذا السلوك هو الأكمل والأسمى ضاربة بكتاب الله عرض الحائط ، وملقية بالأخلاق الكريمة والذوق الرفيع في سلة المهملات ، فضلا عن عدم إدراكها للعواقب المترتبة على هدم الأسر من انحرافات أخلاقية سودت وجه الزمن ولوثت الصحائف البيضاء الطاهرة .
ورد في الأثر ( غيرة الرجل إيمان ، وغيرة المرأة كفر ) وشتان بين الغيرتين .
إن الصديق العدو أو الزوجة العدوة لم تكن محبتهما خالصة لوجه الله بأية حال ولم يكن الانسجام الروحي تاما في تفاصيله.
إن المبرر الوحيد للخلاف - وليس الاختلاف - مع الصديق الصدوق أو الزوج الصالح هو وجود مبرر ديني أو عقلائي مقبول ولا يمكن التغاضي عنه بحال - وهذا من أندر النوادر - وإلا فلا ؛ وفي مثل هذه الحالات يكون الانسحاب الهادئ والخروج من الحياة بسلام هو السبيل الجميل.
ما نراه اليوم من طلاق متعدد وزواج متعدد برهان جلي يعكس معادن هذه القلوب المزيفة ويحكي انعدام الحب بشفافية كاملة.
من المعلوم أن الطلاق مشروع تحت المبررات الدينية والمنطقية فحسب وإلا فهو أبغض الحلال . ولا يفوتني القول بأن الزواج المتعدد لإشباع اللذة فحسب ؛ يحتاج إلى مزيد من التأمل والتدقيق ؛ لأن عواقبه غير حميدة في أغلب الأحيان ويعكس بوضوح عدم إخلاص صاحبه لشريكة الحياة .
قلوب الأمهات مثال بيّن على الإخلاص في الحب في كل مراحل الحياة ومهما تعددت الظروف ؛ لذلك تجدها كالغيث المنهمر حنانا وعطفا في كل الأحوال ، ومع من يستحق ومن لا يستحق . وهذا مصداق واضح للفطرة السليمة وللتآلف الروحي قبل خلق الخلق.
إن القلوب المحبة بصدق ترى الحبيب ماثلًا أمامها ، وإن لم يكن ماثلًا على وجه الحقيقة أو تراه العين المجردة . إن للقلوب بصائر أقوى بكثير من أبصار العيون . ولذلك تجد المحب يردد على محبوبه دائما عبارة ( مالي أراك ولا أراك ) ، بمعنى آخر أن طيفك يا حبيبي لا يفارق مخيلتي في اليقظة ، وحقيقتك لا تفارق حتى أحلامي.



