تجربة شعرية مميزة تحسب للشاعر (علي مكي الشيخ) في ديوانه "كرز" والذي اعتمد فيه على ما يعرف بالومضات الشعرية، حيث جعل لكل ومضة عنوانها الخاص لاقتناص فكرة سريعة ولكنه وظف لها عبارات شعرية مكتضة مكتظة ومكثفة بالإحساس والشاعرية، فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة تاركة لنا باب الدهشة مفتوحا على مصرعيه يدعونا لتأويل تلك النصوص على أكثر من وجه.
رغيف عمري مخبوز به الظمأ
حتى أنا..
عن أنا
ما زلت أختبئ.
ففي هذه الومضة يختبئ الكثير من الألم والخوف والترقب للمجهول ولكننا نجد الشاعر تجاوز مقامات الإحساس إلى مقام الإبداع ليوصل لنا هذا الإحساس بصورة شعرية ممتعة.
أبدع الشاعر في استخدام اللغة الشعرية واستطاع توظيفها بطريقة مميزة حاكت لنا صور ومصادفات رائعة وبما أن الشعر يعتمد على الصورة والوزن والفكرة فإن الومضة تحتاج إلى أكثر من ذلك فالإحساس والتضادات اللغوية تستطيع إيصال القارئ إلى ما يصبو إليه.
وعلينا أن نعترف أن مصطلح القراءة قد تجاوز الكثير من الدلالات المتلبسة وغدا مفهوما يتضمن المعاناة. معاناة الكتابة والإبداع التي تحمل في طياتها مزيدا من التأويل وكثيرا من دلالات النص التي لم تقل.
لم أكن أفهم ما معنى الغرام؛
أي شيء هو في دنيا الكلام؟!
غير أن القلب أغرت نبضه
حين قالت لي يوما يا سلام..
القراءة السريعة لهذا النص تشرف على جوانب اللاشعور والعواطف المخبأة بين طياتها توضح لنا إستراتيجية الخطاب الشعري فجمالية النص تلخصت في بنى تركيبة من اللغة الدارجة والعامية وارتقت إلى الإبداعية الأدبية بما اعتمدت عليه من ذائقته ووجدانه من دلالات جديدة. عالم مليء بجمال الكلمة والمعنى، وكل ما نستطيع قوله باختصار: إننا أمام ديوان شعري يحمل لنا مساحة تحدثنا على طرح تساؤلات جديدة ورؤى وأفكار متعددة وفضاء مفتوح على مصراعيه. كل الشكر للمبدع على مكي الشيخ الذي أتاح لنا فرصة الوقوف على ديوانه والغرق في جمال الكلمة والصورة.
تقبل مني فائق احترامي ومودتي آمله أن تكون قراءتي المتواضعة قد أعطت الديوان بعضا مما يستحق.



