يظن غالبية الجنسين من الشباب المقبلين على الزواج أنهم ذاهبون لدخول الجنة بكل ما يزينها من نعيم مقيم وبهاء دائم وسعادة خالدة، وهم بذلك إنما يحكمون سلفاً على حياتهم بالفشل الأكيد حين يكتشفون لاحقاً أن الحياة الزوجية ليست بذلك العالم الوردي الذي رسموه في مخيلاتهم وظنوا أنه اليقين بالجزم والقاطع.
فمجرد انتهاء بهرجة العرس ولياليه وعسله تبدأ المسؤولية الفعلية، والتي يكتشف فيها الطرفان أن الزواج عقيدة ومسؤولية وعقد شراكة وحقيقة جادة بها ما بها من سعادة ومحبة، كما أن بها أيضاً العراقيل والاختلافات والخلافات والتجاذبات والمفاجآت السارة والحزينة، والكثير الكثير من الامتحانات التي ربما تقوي ترابط الطرفين أو تفككه وتقضي عليه إذا كانا أصلاً غير مؤهلين لتحمل مسؤولياته وتفهم اضطرابه واستقراره من حين لآخر.
من جانب آخر والأكثر تعقيداً، هو ما يضعه هؤلاء سلفاً من عراقيل تتمثل في الشروط التعجيزية واللامنطقية التي يشترطها الشاب أو الشابة، وربما من هم خلفهما أيضاً، لتكون خطاً أخضر للموافقة، أو أحمر للرفض، وهي شروط بعيدة كل البعد عن الواقع والمنطق والحكمة، ولا تمثل مفاهيم الدين والقوانين، ولا الأعراف والعادات والتقاليد السوية والتي تحض في معظمها على التسهيل والتيسير، وتمنع من التعقيد والتعسير.
فمن جانب لا يمكن منطقياً أن تُجبر فتاة في مقتبل العمر على حياة أخرى على القبول بشاب لا يتناسب مع طموحها من حيث التجانس في التفكير والتعليم والثقافة ولا حتى الرضا به بعيداً عن القبول الوجداني والقلبي ابتداءً، كما أنه من المستحيل قبولها بمن لا يمتلك القدرة المادية لفتح منزل، وتحمل مسؤولياته إذا كان يفتقد ما يمكنه من ذلك، بما يؤمن الصرف على بيته، وأن يكون لديه مصدر رزق تطمئن له شريكته القادمة، وهو أمر مسلم به بلا شك.
ولكن ما هو هذا المصدر؟
هنا تقع المشكلة، حيث إن النظرة السائدة هي ضرورة أن يكون هذا الحالم بالحياة الزوجية والطامح في كسب ود فتاته المعنية وقبولها وذويها، صاحب وظيفة مرموقة، وفي جهة رائدة، أو أن يكون صاحب عمل حرٍ، بمدخولٍ وافرٍ، يشار له بالبنان والبيان، لكي ينال رضا صاحبة الشأن ومن هم خلفها، أما غير ذلك من الأعمال فهو مرفوض، وعدد ما شئت منها، وهي التي تزخر بها جوانب الحياة من الرزق الحلال، ولكنها للأسف تعتبر مشينة ومعيبة في نظر الغالبية منهن، ولا نريد تفصيلها تقديراً لممتهنيها المحترمين الذين نقدر لهم كفاحهم في طلب الرزق مهما احتقر البعض أعمالهم، في وقت نعلم أن الكثير منهم أصحاب شهادات عالية وأصول كريمة لم يجدوا ما يتناسب مع مؤهلاتهم، ولكنهم لم يتكاسلوا، بل نزلوا لطلب رزقهم مما أفاضه الله عز وجل على عباده.
هذه النظرة القاصرة تقف عقبة في طريق الشاب، بل تجعله متردداً في الإقدام على الزواج، حيث إنه يعلم بالرفض مسبقاً، وربما له تجربة سابقة، فضلاً عن تجارب غيره، إلا من رحم الله تعالى.
وما ذكرناه هو فقط سبب واحد من الأسباب، ناهيك عن تلك الأكثر تعقيداً وتفصيلاً، ومنها تلك الشروط التعجيزية التي أصبحت مدعاة للتنافس والمفاخرة، إضافة لمحاكاة الآخر، ذلك القادر على توفير ما لا يستطيعه غيره، وللأسف يضطر ذلك الشاب المسكين أن يوفر مجبراً وإن بالديون ما يمكن أن يجاري به الغير تلبية لرغبات أصحاب القرب الجديد، وإلا فخياره الأخير هو الإحجام عن الزواج.
وقد رأينا وسمعنا عن الكثير من حالات الانفصال بعد الخطوبة بفترة وجيزة بسبب العراقيل والطلبات المتتالية وخاصة لليلة العمر، وهي ليلة الزفاف والتي يركز الغالبية عليها بشكل مفرط، حيث يبلغ العَجَبُ مداه من خلال التفنن في إظهار البهرجة الزائفة والزائلة وكأن حياة الزوجين متوقفة فقط على تلك الليلة، وهو ما يفقد الكثير من الشباب وأهليهم القدرة على الاستجابة للمطاليب، فتغلق سبل الاستطاعة ويكون المآل هو الانفصال، والخروج قبل الدخول.
علينا نحن كمجتمع مسلم أن ندرس هذه الحالة المستشرية ونضع لها الحلول ونطبقها بصورة جدية وحاسمة، فقد أصبحت أزمة حقيقية عقدت الكثير من حالات الزواج، وأدت للانفصال، وأصبح الطلاق أمراً شائعاً وعادياً للأسف، بل وفاق حالات الزواج نفسها.
الزواج ليس ليلة العمر كما تسمى، ولا شهر عسل ربما يحدث الطلاق خلاله لأتفه الأسباب، الزواج رباط مقدس تكفل الله عز وجل بأن يجعل بين طرفيه المودة والرحمة، ولكن للأسف حتى هذا الجعل الإلهي نبذناه بسبب الشكليات الزائفة والزائلة، والتي هي السبب الحقيقي لما آلت إليه الأمور، فأمسى مجرد تفكير الشاب والشابة في الزواج والتطلع إليه أمراً تعيساً، وهو ما نود أن نصحح مفاهيمه عن طريق نبذ هذه الشكليات المقيتة والبعيدة كل البعد عن مرامي الزواج الحقيقية.



