البساطة في الحياة لا تعني انعدام الفاعلية وغياب التأثير، كما أن الضجيج والصخب لا يدلان على الإنجاز والنجاح في كل الأوقات، فقد ورد "ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج!"
بين أيدينا الكثير من النماذج التي اختارت البساطة منهجًا وأسلوبًا، وتمكنت من تسجيل حضور فاعل ومؤثر في ميادين تتسع أحيانًا، وتضيق حينًا آخر.
الملا أحمد البطران - رحمه الله تعالى - أحد هذه النماذج التي اختارت العيش بعيدًا عن صخب الأضواء وضجيج الإثارة، فعمل ما في وسعه متكلًا على الله، ومتسلحًا بإمكاناته المتاحة.
فقد نعمة البصر في سن مبكرة كما آخرين من أقرانه ممن أصيبوا بداء الجدري، فلم يستسلموا رغم قلة الحيلة بفقد وسائل التداوي، ومحدودية فرص التعليم والعمل آنذاك.
اختار الكتاتيب طريقًا لطلب العلم، وتعلم القرآن مع صعوبة تعلمه لأمثاله، فحفظ أجزاءً منه، ثم واصل طريقه فتعلم القراءة الحسينية لدى أبرز خطباء المنطقة، وعندما لاحت له فرصة الانضمام للتعليم النظامي التحق بمعهد النور فكان من أوائل الطلاب في المسار المهني.
يقطع الطريق من بلدته "الحلة" إلى القطيف "المركز" ذهابًا وعودة في أعلب الأيام ماشيًا على قدميه في ظروف وأجواء مناخية وطقس متقلب!
أكمل تعليمه، والتحق بالخدمة الوظيفية، وواصل مسيرته العملية حتى أحيل إلى التقاعد، ولم يعش كلًّا على الآخرين، أبت له كرامته استدرار العطف، وتكفف ما في أيدي الناس.
وإذا كانت اليد العليا خيرًا من السفلى - كما في الأثر - فقد اختار هذا الرجل مسار العطاء في دروب عدة ليس أولها موقع الوظيفة الرسمية، ولا الخطابة الحسينية مع ما لهما من الشرف والرفعة وعلو الشأن.
كان وهو الكفيف يمتلك روحًا مبادرة لا يمتلكها آخرون ممن أنعم الله عليهم بنعمة الإبصار، يسعى في قضاء حوائج الآخرين من أرحامه، وزملائه، وأبناء بلدته، رأيته مرارًا بصحبة بعض الشباب ممن تعسرت عليهم الوظيفة فكان يدخل على المسؤولين في الدوائر الحكومية ويتشفع لهم، بأسلوب راقٍ وعبارات مهذبة ينجح أحيانًا في مهمته ويفشل، ومع ذلك لم ييأس ولم يتراجع.
بعد التقاعد - وقبل صدور نظام تحويل الرواتب آليًّا - كان يتواصل مع المسؤولين نهاية كل شهر، ويتحسس الأمور، ويتصل بزملائه المتقاعدين ليخبرهم بأن رواتبهم ستصل غدًا أو بعد غد!
هناك من يتصور انحصار العطاء في امتلاك المال، أو الوجاهة الاجتماعية، ولست أراني بحاجة إلى سوق الأدلة النقلية والعقلية على عدم صحة هذه النظرة التي تعبر عن ضيق أفق وجنوح نحو التكاسل، فقد ورد في الأثر عن إمامنا الصادق جعفر بن محمد - عليه السلام: (ما ضعف بدن عما قويت عليه النية )
كم نحن بحاجة إلى تمثل هذه الروح المبادرة عند هؤلاء البسطاء أمثال فقيدنا الملا أحمد البطران، ونقل تجربته العصامية لأبنائنا وبناتنا، ومحاولة إعادة قراءتها وفق منهجية علمية تلهمهم الثقة بالنفس، وتحدي الظروف مهما قست وعسرت.
ثم ما أروع أن يترك المرء بعد رحيله سيرة تعلم الناس الخير وتشحذ فيهم الهمم وتلقنهم الصبر وتحثهم على العمل والبذل! كما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وَآلِهِ - قوله : (إنَّ الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جُحرها، وحتى الحوت في البحر، ليُصلون على معلِّم الناس الخير).
[banner id="179141" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]



