12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في وزنِ الذهب

كان الإمام علي بن أبي طالب (ع) من أفصح من تكلم اللغةَ العربية، واشتهر بجمال ألفاظه وسلامتها من اللَّحْن، واشتهر أيضًا بالحكمة، ما يعني أن المعاني التي قالها كانت جميلةً، ومبتكرة، ومركبة من كلماتٍ قليلة، أو في جملةٍ واحدة وتحمل معنًى جديدًا لم يسبقه إليه غيره، فمثلًا عندما يقول الإمام علي (ع) جملةً من كلمتين هما في العربية مبتدأٌ وخبر، مثل: الحلمُ عشيرة، فهو نطقَ حكمةً تساوي ذهبًا في كلمتين، لا يحتاج من يحفظها أن يسهرَ الليالي، أو يقضيَ الساعات في تذكرها، إذ جاءت في أقصر صيغةٍ ممكنة، ولا تحتاج إلى شرحٍ وإيضاح.

كل من عاصره كان يعرف ماذا تقدم العشيرة من الحمايةِ لمن ينتسب لها، فهي لن تخذله حينما يحتاج لحمايتها، بل يكفي أن يدرك العدو أن من يواجهه وراءه عشيرة تنصره؛ فلابد أن يفكر جيدًا قبل الاعتداءِ عليه أو محاربته، بهذا يكون الحلم قد قدم - لمن يتصف به - ذاتَ الحماية التي تقدمها العشيرة من أن يضع نفسه في مواجهةِ الأعداء، والحلم يجمع لصاحبه من معاونةِ الناس وحبهم ما يجتمع له في حماية العشيرة، سلوكٌ حضاري اختصره في كلمتين، بينما المدارس الحديثة تدرسه وتطبقه في أيام!

تنوعت حكم الإمام علي بن أبي طالب (ع) القصيرة فجاءت في السياسةِ، والاقتصاد، والأخلاق، والمجتمع، وغيرها؛ مما دل على غزارةِ بلاغته وحكمته التي شملت كل جوانب الإنسان، تلك الحكمة التي رسمت للإنسان الطريقة التي ينتقل بها من ضفة الإنسان العادي إلى الإنسان الريادي.

وترك الإمام علي (ع) للإنسانية إرثًا كبيرًا من مفاتيح الحكم في جمل قصيرة، تتدرج من كلمتين ثم ثلاث وأكثر، لكنها تظل جُملًا قصيرةً خفيفة الحمل مثل المفاتيح إلى دار الكنوز.

أكاد أجزم أنه لا يوجد في التاريخ من ترك ذلك الكم من دررِ الكلامِ البديع في اللفظ والمعنى، فمن أرادَ الحكمة التمسها منه، ومن أحب النظرَ في بديعِ الكلام فلن يجد أجمل من ذلك الروض النضر، قال في وصف فصاحته وبلاغته الكثيرونَ، ومنهم الشريفُ الرضي الذي عُرف بعلمه وأدبه في مقدمةٍ كتاب "نهج البلاغة": "إذ كان أمير المؤمنين - عليه السلام - مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه - عليه السلام - ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وقد تقدم وتأخروا، لأن كلامه - عليه السلام - الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي".

مدحَ القرآنُ الكريم لقمانَ الحكيم، وأثني عليه، فقال: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) [الروم: ١٢] وقال: ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) [البقرة:٢٦٩]. وكذلك أوتي الإمام علي (ع) من الحكمةِ الشيء الكثير!



هلال حسن الوحيد
مستشار أعلى هندسة بترول


error: المحتوي محمي