كثيرًا ما نسمع عن إنجازات السعوديين في مختلف المجالات وإبداعهم اللامحدود، ولا يخفى علينا تفوق الطلبة المبتعثين في الجامعات الأجنبية، فكثيرًا ما نسمع ببراءات الاختراعات والتفوق العلمي.
من مقدمتي ينبع لدي تساؤل أعرف إجابته مسبقًا، لماذا قليلًا وبل من النادر أن يتحقق الإبداع والإنجاز من داخل البلد إذا كان الذكاء والطموح غير قاصر في أبنائه، هل يا ترى لأنه لا تزال المقاعد والفرص الوظيفية تفضل الواسطة على الكفاءة؟ أم أن المشكلة تولدت من تهميش المبدعين وتصغيرهم حتى يفقدوا الهمة والطموح.
تستدركني الذاكرة لأحد الطلاب السعوديين الذي تمكن من اختراع جهاز في إحدى الجامعات الأمريكية يعتبر قفزة فريدة من نوعها في تقدم مجال تقويم الأسنان، وفور إعلان الجامعة لذلك الحدث بدأت الأخبار تنتشر بين أوساط المتعلمين والمفاخرين، انظروا ماذا فعل أبناء البلد! حتى جاء تصريح صادم من أحد أفراد عائلة الطبيب المخترع ينفي كونه طالبًا مبتعثًا ويؤكد أنه دارس على حسابه الخاص، ثم تشكر الملحقة على جهودها ودعمها الذي جاء لاحقًا ليفاخر بالطبيب الشاب ولحفظ حقوقه بتسجيل براءة الاختراع.
المحزن في القصة أنها ليست فردية، أي أن الكثير من أبناء البلد يملك الطموح والمؤهلات الفكرية التي قد تقوده إلى المقدمة في الإنجاز والإبداع، لكنه لا يجد الدعم اللازم داخل البلد، سواء من الناحية المادية أو المعنوية، كم من طالب في فصول المدرسة يقال له احفظ حتى وإن لم تفهم، لا تتفلسف، لا تألف، لا تقارن نفسك بفلان، انت لن تخترع الذرة؟ فيموت الحلم في مهده.
هناك من يحارب ويناضل ويبذل الغالي والنفيس في تحقيق النجاح، حتى يرى دموع والدته على سجادة الصلاة تسهر لترسل دعواتها له، ووالده الذي يجمع ما يستطيع وحتى يتكبد الديون ليصرف عليه بينما يلاحق حلمه الذي قد يتحقق وقد يتحول في لحظة إلى سراب.
يصعب علينا التنبؤ لكن علينا أن نتساءل؛ كم من مبدع تم رفضه والاستخفاف به في عز معاناته؟ ومن ثم ينقلب المجتمع بأكمله ليتغنى باسمه فور تقدمه ونجاحه وحتى يتفاخر به.. انظروا إنه من أبناء البلد!
على الصعيد الشخصي بعد غربة دامت ما فوق الـ١٥ سنة وكثير من التعثرات التي احتجت فيها للدعم والمساعدة، تمكنت أخيرًا من حصد ثمار تعبي، وكموظفة في إحدى أكبر الشركات الطبية عالميًا كانوا يشيرون إلي بفخر لدينا دكتورة سعودية، أستطيع التفاخر بما أنجزته من الناحية العلمية والعملية وبسيرة ذاتية ومؤهلات تبهر كل من تمر به، ويؤسفني أنني حين عدت إلى موطني اصطدمت بحائط البطالة ومستقبل مبهم وقيود تمنعني من استكمال الدراسة، مما يجعلني أعيد النظر في استثمار طاقتي في طريق مسدود.
بهذا أختتم مقالتي برسالة من جيل المستقبل إلى جيل السابقين؛ "لا تفتخر بي وبنجاحاتي في وقت ذروتي، بل ادعمني وساندني في وقت حاجتي".



