عاد الحراك الأدبي ينشط من جديد، بعد فترة الإجازات، وكان المستهل مع ملتقى ابن المقرب الأدبي بالدمام، الذي بدأ أولى حلقات فعاليته الجديدة (حلقة آراء الأدبية) مساء يوم الجمعة 25/10/2019م بمناقشة مفهوم (المصطلح النقدي: من اللغة إلى الممارسة) والتي حضرها نخبة من النقاد والأكاديميين من الدمام، والقطيف، والأحساء، والبحرين، إضافة إلى أعضاء الملتقى.
بدأت الحلقة الأدبية بكلمة ترحيبية بالحضور من علي طاهر رئيس الملتقى، الذي عرف بـ "حلقة آراء الأدبية" ومنهجيتها وأهدافها، وقدم إضاءة موجزة على موضوع الجلسة.
بعدها رحب المتحدث الرئيس بالحلقة الدكتور ناصر النزر بالحضور جميعًا، وأشاد بالملتقى وأعضائه، وبحراكه الواضح في رفد حركة الأدب والنقد في المنطقة، وبأن أهم ما يميز أعضاء الملتقى هو الخلق الجم الذي يرفد الأدب النقي.
وتحدث الدكتور النزر قائلًا: تحاول هذه الورقة أن تجلّي أهم النظريات المطروحة في تاريخ نشأة اللغة، فتجيب عن تساؤل مهم في كيفية نشأة اللغات، كما تحاول أن تربط بين النظريات الفكرية وبين أهم المصطلحات، أو الأطروحات النقدية المركزية في الدرس النقدي الحديث، ومن ثم محاولة تلمس هذه المصطلحات النقدية الكبرى في بعض النماذج الشعرية الرائدة.
المصطلح النقدي
وأوضح أن الموضوع الأصلي والأدق للورقة هو المصطلح النقدي: من نشأة اللغة إلى الممارسة، حيث تبرز مصطلحات نقدية كثيرة متاخمة لنشأة اللغة تصل إلى 28 مصطلحًا، إلا أن الورقة تبحث في ثلاثة مصطلحات تتكئ على نظريات في كيفية نشأة اللغة وانقسام اللسانيات.
التوقيف
واستعرض عددًا من النظريات، منها نظرية التوقيف، مفسرًا إياها بأن الله هو من يعلم الناس لغاتهم ويلهمهم بها، ويرادفه مصطلح الإلهام أو الوحي، وهو ما يقول به علماء المسلمين استنادًا على الآية الكريمة: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم" وقد استدل السيوطي بعدة طرق على صحة هذه النظرية في كتابه (المزهر في اللغة).
المحاكاة
وتناول نظرية المحاكاة، والتي تعني أن اللغة تنشأ من تقليد الإنسان ومحاكاته لأصوات الطبيعة، ثم تطورت بعد ذلك، كما نجده مثلًا في اسم صوت القط (المواء) واسم صوت الضفادع (النقيق) وصوت تحرك الشجر (الحفيف)، وهكذا من الكلمات التي تنطلق من محاكاتها لأصوات الطبيعة، وإن كانت هذه النظرية قد لا تجد تبريرًا لاختلاف أسماء الأصوات في اللغات الأخرى عن تلك الموضوعة في اللغة العربية، وتدور هذه النظرية في فكر ابن جني على فكرة "دوران المادة حول نفسها" فرأى أن الأصوات المتشابهة تدور حول معنى واحد، أما ابن فارس فيرى فكرة (الأصول والمقاييس) حيث قال: إن الكلمات التي تتشابه في حروفها تدور حول معنى واحد.
الاصطلاح
وأشار النزر إلى نظرية الاصطلاح، وقال إنها تعني أن مجموعة من الناس يجتمعون في مجتمع بشري يسمى شعبًا، أو قومًا، فيتفقون على وضع مسميات الأشياء، ويصطلحون ويتفقون عليها، وهذه النظرية وإن فسرت كيفية نشأة اللغات، إلا أنها لم تفسر كيفية اتفاقهم ما داموا لم يمتلكوا لغة أصلًا.
أصل اللغة
وأكد أنه رغم كثرة هذه النظريات والاحتمالات التي تبحث في كيفية نشأة اللغة، إلا أن ترجيح نظرية على البقية أمر في غاية الصعوبة؛ ولذلك أعلنت الجمعية اللغوية في فرنسا فشل البحث في نشأة اللغة منذ عام 1900م تقريبًا، وإغلاق هذا المشروع.
ثم شرع بعدها الدكتور النزر بتطبيق هذه النظريات من مستواها اللغوي أو الألسني إلى مستوى الممارسة النقدية والأدبية، وأشار إلى بعض تفريعاتها الأدبية وتطبيقاتها، مستشهدًا ببعض النماذج الشعرية على كل نظرية.
مداخلات
بعد انتهاء الورقة التي قدمها الدكتور ناصر النزر بدأت فقرة المداخلات، والتي تنوعت بين الإضافة، والاستدراك، والنقد، والاستفهام، والاستفسار، ومن تلك المداخلات: د. عيسى الوداعي رأى أن عنوان الورقة انزاح عما يتوقع منه، وأنه لم يتم الحديث عن الخلفيات الفلسفية للمصطلحات وتطورها وأدوارها، وأن مصطلح (التناص) الذي اندرج تحت نظرية المحاكاة هو المصطلح الوحيد بين المصطلحات اللغوية التي يمكن الاستفادة منه في المجال النقدي الأدبي.
في حين تساءل محمد الحميدي أن من طبيعة المصطلحات أنها تخاطب الشعر في أجزائه، فما هي المصطلحات النقدية التي نحتاجها لقراءة النص المختزل الحديث؟ وكيف نوازن في قراءتنا النقدية للطريقة القديمة (النص القديم) والطريقة الحديثة (النص الجديد)؟
وتساءل د. علي فرحان عن البحث عن مشروعية الرحلة في المفهوم بين نشأة اللغة والعمل النقدي.
وأشار كاظم الخليفة حين تطرق المحاضر للجاحظ، قدم إثارة حول إمكانية التفاف الجاحظ على شرطه في تغليب القالب على المعنى اتكاءً على أصوله المعتزلية، التي تقضي بأن الإنسان مبادرٌ لا مسيرٌ ولا قدري، إلا أنه تنكر لذلك الأصل العقدي في نظريته اللغوية هذه والتي يخالف فيها مثلًا أهل السنة والحديث الذين يقولون بالتسيير والقدرية، ولهذا قال الناقد عبدالفتاح كليطو أن هذا الفكر أثر في الفكر النقدي والأدبي العربي أو الإسلامي، الذي يُعلي من شأن النص لا الكاتب؛ لأنه مجرد ناقل لا غير.
وأشاد كريم رضي بموضوع الحلقة قائلًا: الممتع في المحاضرة أنها تناولت الذوق الشعري لهذه المصطلحات بعيدًا عن الجمود الأكاديمي، والشاعر اليوم أمام تحدٍ كبير، وسؤال ثقيل يطرح نفسه: هل اللغة قادرة على التعبير عما نريده اليوم؟ وهل بإمكانها تحمل هذا الكم من التحولات الفكرية واللغوية والإنسانية؟ الأمر الذي حدا بكثير من الألفاظ اللغوية أن تنزاح عن معناها اللغوي الموضوع إلى معنى واستخدام قد يكون مخالفًا بشكل كلي عن المعنى الأصلي، كلفظ (قلعة) التي تعني الصمود والرسوخ، إلا أن معناها اللغوي في أصله يدل على القلع وعدم الثبات.
من جهته رأى جاسم المشرف أن الشعر كان أوضح من النقد في الجلسة، وربما يعود ذلك لكون المحاضر أكاديميًّا، وشاعرًا أيضًا، وأشار إلى أن صرامة المنهج الأكاديمي أو النقدي قد تقتل الإبداع لدى المُلقي والمتلقي، وأن النقد ذائقة لا منهج؛ إذ لا يوجد منهج بإمكانه استنطاق نصٍ لوحده، فلا بد من مزج أكثر من منهج، وهذا يؤكد أن تعدد هذه المناهج لدى الناقد يعكس الشخصية المثقفة لديه، فالناقد مثقف من الطراز الأول، يستحضر معارفه وثقافته ومعلوماته لاستنطاق النص، ولذلك تختلف القراءات النقدية للنص الواحد باختلاف ثقافات ناقديه.
واستفهمت نورا النمر عن العلاقة بين الشعر والنقد، هل الاستفادة متبادلة أم أن هناك عقبات تعيق التقدم؟ وقد علّق وأجاب الدكتور النزر على مداخلات وأسئلة الحضور.
في ختام الأمسية قام أحمد اللويم نائب رئيس الملتقى بتكريم الدكتور ناصر النزر وسط استحسان الحضور للبرنامج، والتشجيع على استمراره وتطويره.
[banner id="156288" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]




