13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أمِنْ تَذَكُّرِ جِيرانٍ بِذِي سَلَمٍ!

دخلتُ منزلنا القديم من البابِ المقابلِ للجيران من جهة الغرب، بابٌ جديد في زقاقٍ لم أعبرهُ منذ سنوات، لا يزيد طول الزقاق عن مائة متر بعرضِ ستة أمتار، اصطفت على جانبيهِ بيوتٌ قديمة قدم سنينِ عمري!

تذكرتُ من سكنَ ذلك الزقاق من آباءِ وأمهاتِ الجيلِ الحاضر، واشتقت لهم، عددتهم فردًا فردًا، وللهِ ما فعلت بهم الأيام! إذ لم يكن فيها أحد بين الأحياءِ تقريبًا.

في المجلسِ التقيت بعضَ أبنائهم، وطافَ في خاطري ذلكَ الجيل القديم الذي في كثيرٍ من ضحى الأيام عندما تكون أمي تطبخ الغداء، ولا يوجد رأس البصل أو حبة الطماطم؛ لتكتملَ طبخة نارِ الحطب المضنية، تقول لي: اذهب إلى بيتِ الجيران وقل لهم نحتاج رأسَ بصل، وفي اليومِ التالي تكون الحاجة لإحضار حبة طماطم، لا أخبر أمي أنني في هذه المرة استحييتُ من النساء فقصدتُ بيتًا آخر، وفعلًا تأتي حبةُ الطماطم.

في ضحى اليومِ التالي يطرق بابنا ابنُ جيراننا الذي هو في عمري وقبلَ أن يتكلم أسأله: رأسُ بصل أم حبة طماطم؟

ذلك الجيل انتهى، وفي الحقيقةِ عندما انتقلتُ من الحارةِ القديمة لا أتذكر متى زرتُ جيراني الجدد، حتى أنني لا أعرف بعضهم ولم أزر أكثرهم البتة، وبعضهم فيما ندر! تذكر الماضي لا يعني بالضرورة أنَّ من عاش فيه كانوا كلهم أولياء وصلحاء، والأقرب للواقع أن الزمن يجري مثل النهر الجارف بما بين جنبيه من الأحوال الوضيعة والثمينة، هو تذكير بتغير نمطِ بالحياة، والاقتصاد، وسلوكيات المجتمعات التي تتغير من جيلٍ لآخر من البساطةِ والتواضع للتعقيد والبعد، وتذكير بالسنين التي يمر التغيير فيها شيئًا فشيئًا دون إحساسٍ به، وفجأة نستيقظ على تغير كثيرٍ من القيمِ والعادات نحو الأسوأ في الغالب!

كان المثل العربي في زمن جيل رأس البصل وحبة الطماطم يقول: اشترِ الجارَ قبل الدار واختر الرفيقَ قبل الطريق، وفي جيل أبنائهم أصبح المثل العربي: صباح الخير يا جاري، أنتَ في دارك وأنا في داري، ومن يدري لعل المثل فيمن يأتي بعدهم يكون: أمن كوكبِ الأرضِ جئت فلم نلتقِ؟!

مدحَ البوصيري المتوفى سنة ٦٩٦ هجرية النبي محمد (ص) في قصيدته التي سماها "البردة" وكان مطلعها في حزن وألم تذكر الجيران، قصيدةٌ ألهمت الشعراءَ على مر العصور فنسجوا على منوالها وعارضوها، قال فيها:
أَمِـنْ تذكّر جيـرانٍ بذي سلمِ
مزجتَ دمـعًا جرى من مقلةٍ بدمِ
أم هبت الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ
وأومـضَ البرقُ في الظلماء من إِضَمِ
فما لعينيك إن قلت اكففا همتَا
وما لقلبكَ إن قلت استفق يهمِ

ممن جاراها الشاعر أحمد شوقي في "نهج البردة" التي تقع في ١٩٠ بيتًا، ومطلعها:
ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعلمِ
أحلَ سفكَ دمي في الأشهرِ الحرمِ

----
هلال الوحيد
مستشار أعلى هندسة بترول


error: المحتوي محمي