12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حسينية بن جمعة شموخ ينتهي بالجفاء!!

حسينية بن جمعة في "ديرة" جزيرة تاروت لها تاريخ عريق في خدمة المجالس الحسينية على مرّ العصور، الذي دفعنا إلى دراسة واقعها انطلاقاً من دورها في خدمة المجتمع وتأثيرها في الوجدان الشعبي تاريخياً.

حسينية بن جمعة واحدة من أقدم الحسينيات في جزيرة تاروت، وتقع بين الصابات الضيقة وسط المنطقة القديمة (الديرة)، حيث بنيت على الطراز القديم كما هو حال باقي البيوت القديمة المحيطة بها في "الديرة"، ويعود تاريخها بحسب بعض المؤرخين إلى العهد العثماني ويرجح أن تاريخ بنائها يعود إلى أكثر من ١٢٠ عاماً، وقد تم تجديد بنائها في العام ١٤٠٢هـ تقريباً وأصبحت على هيئتها الحالية.

يقال إن حسينية بن جمعة بنيت أيام الاستعمار العثماني البغيض، والذي بناها هو الباشا منصور بن جمعة، والي القطيف المنصب من قبل العثمانيين قبل قيام الدولة السعودية، ومنها اكتسبت اسم حسينية بن جمعة نسبةً إليه، ويقال إنها كانت قائمة قبل ذلك بكثير، إلا أن أهالي الديرى أعطوها اسم بن جمعة عند تنصيبه والياً على المنطقة من باب التقرب للحاكم ليس إلا، ويظل هذا احتمالاً وليس هناك دليل دامغ على ذلك.

أسست حسينية بن جمعة بالطريقة الشعبية المتعارف عليها قديماً، كما هو حال جميع منازل الديرة ومساجدها المبنية بالطين والجص والچندل والباسچيل وجذوع النخيل، وتتكون من طابقين؛ طابق سفلي وطابق علوي، الطابق السفلي عبارة عن غرف أو دور "جمع دار" يتخذها بعض ميسوري الحال من الناس سكناً مقابل مبلغ رمزي أو ربما بدون مقابل، والطابق العلوي وهو الحسينية وفيها غرفة صغيرة تستخدم للخدمات وكذلك لجلوس المستمعة في حال الازدحام ومطبخ مكشوف لخدمة الحسينية، وكان فيها منبر أثري منقوش بنقوش إسلامية جميلة، وبها سلمان شمالي وجنوبي ودورة مياه.

المرحوم الوجيه الحاج محمد تقي آل سيف كان هو القائم على حسينية بن جمعة ومن حوله عائلة آل سيف الكرام، وكانت الفوانيس تستخدم للإضاءة قديماً في جزيرة تاروت، حيث تفتقر المنطقة لخدمة الكهرباء، إلا أن الحاج محمد تقي آل سيف "يرحمه الله" هو من زود الحسينية بالكهرباء بواسطة مولد كهربائي، وعلى مدى سنوات طوال كان الخطباء الذين يعتلون منبرها في شهر محرم هم من العراقيين أمثال السيد الكبنچي، والسيد مرتضى القزويني، والشيخ عبد اللطيف البغدادي، والشامي، ويقام العزاء الحسيني لعشاق الحسين (ع) داخلها وكذلك مناسبات الأعراس ومهرجانات مواليد اهل البيت "عليهم السلام".

تم تجديدها قبل أكثر من ٣٥ عاماً وكان للسيد مرتضى القزويني دور في هدم الحسينية و إعادة بنائها، عندما انتقد أهالي تاروت من على منبرها بقوله لهم: أنا قرأت في هذا المكان قبل ١٤ سنة والحسينية على ما هي لم تتغير..!! لم أعهد أن الناس في جزيرة تاروت إلا أناساً مبادرين لفعل الخير، فلماذا أهملتهم صيانتها أو تجديدها؟!! ومن ثم تم هدمها بعد عام أو عامين، وإعادة بنائها على الطراز الجديد كما هي الآن، من الأسمنت والطوب والخرسانة، واحتفظت بشكلها المعماري القديم متمثلاً في الأقواس والشبابيك والأعمدة الدائرية بالإضافة إلى روازنها.

ارتبط اسم الحسينية بالسيد مرتضى القزويني كأقوى خطيب ارتقى منبرها وقرأ فيها مجالس عاشوراء، حيث كان له حضور جماهيري مميز وكانت الحسينية تغص بالحاضرين وكذلك الصابات المحيطة بها، وقد ارتقى منبرها عدد كبير من الخطباء المحلين منهم على سبيل المثال: المُلا علي الطويل من القطيف، والمُلا عبد الله المبشر، والمُلا خليل أبو زيد، والمُلا محمد المسيري، والمُلا عبد الرسول البصارة، والمُلا حسين الفضل، والشيخ حسن الخويلدي وغيرهم.

وفي الختام، لا نعرف سر هذا الهجران المؤسف الذي امتدا لأكثر من ١٥ عاماً من الناس القائمين على الحسينية خاصة، ومن أهالي جزيرة تاروت عامة، وتركها بهذا الشكل يستباح دخولها لمختلف الحيوانات كالقطط والفئران وغيرها، حالها حال جميع منازل الديرة الأثرية التي هجرها الناس وتساوت أطلالها مع الأرض!!


error: المحتوي محمي