تتساوى كثرة المسؤوليات مع عدمها في حالة واحدة فقط، وهي أن تكون مصدرًا للضغط النفسي، فمع تسارع إيقاع الحياة، أصبح مصطلح "تحت الضغط under stress" يتردد بين الكبار والصغار ومَنْ لديه عمل ومسؤوليات جسام، ومَنّ يجلس في بيته بلا عمل أيضًا.
ومن هذ المنطلق حذر الدكتور بدر المصطفى من الضغوط الحياتية التي يتعرض لها الشخص، في المحاضرة الثقافية "ضغوط الحياة وكيف أعالجها" التي قدمها، في مأتم السيدة خديجة (ع) بالمنيرة، يوم السبت 29 محرم 1441هـ.
وأوضح أن الضغط النفسي، قد يتعرض له الإنسان بسبب حالة أو موقف، لا يستطيع فيه حماية نفسه من التوتر، وقد تصيبه حالة من الانكسار، تتفاوت حدتها من شخص لآخر، ويسبب له عدم القدرة على التعايش مع من حوله، نتيجة للآثار النفسية والجسدية، وقد تظهر على الشخص بصورة أمراض نفسية أو جسدية أو كلاهما معًا (نفس جسدية)، بصورة مفاجئة وتعرضه إلى الخطر الفادح الذي يصل لدرجة الموت.
وحول سبب تغير حدة التعرض للضغوط من شخص لآخر، ذكر أن ذلك نتيجة إلى أن التوتر يمر عند الشخص بفلترة فكرية تقلل منه، وهذه حصيلة توازن على مدى سنوات، وليس للحظة، كونها تكونت من محصلة تربوية وتجارب واستعداد نفسي وجسدي، يستطيع على أثره ضبط أي ضغط مفاجئ بشكل تدريجي.
أسباب
ونوه إلى أن أثر غياب التوجيه لكيفية التعامل مع الضغوط سبب في تفاقمها وتوغلها في النفس البشرية، إذ نجدها تجعل الشخص تائهًا لا يعرف كيف يدير بوصلته في الحياة، فتصبح الأمور عنده معقدة مع تعدد الآراء والأعمال من حوله، مشددًا على أهمية إدارة الوقت الذي يكون أحد أسرار تنظيم العمل والتفكير بما حوله من محسوس وغير محسوس.
كما اعتبر سوء تقدير الجهد وعدم التنظيم، أحد الأسباب التي تقود إلى الضغوط، مع الأخذ معها عدم وضوح الرؤية والهدف في الحياة عند ممارسة الأعمال، على المستوى الأسري، والاجتماعي، والشرعي، والقانوني بمعرفة الضوابط وكيف تطبق وما يترتب عليها فيما بعد.
للفراغ نصيب
وكانت المفاجأة التي ألقاها على مسامع الحضور عندما اعتبر أن قلة الأعمال أو الفراغ تكون أحيانًا سببًا في تعرض الإنسان للضغط النفسي، تمامًا كما تمثل كثرة الأعمال المنوط بها الشخص سببًا أوليًا للضغوط، منتقدًا كثرة الأعمال التي تكون على عاتق الشخص، ويدمجها ضمن تفاصيل حياته حتى وقت النوم، أو الراحة، فيخلد إلى النوم أو يأخذ قسطًا من الراحة ظاهريًا فقط، في حين أن تفكير يظل مشغولًا، مما يوقعه في حالة انفعال نفسي شديد يكون بشكل دائم أو متقطع.
أمراض الضغوط
وأوضح العلاقة التي تربط الضغوط ومدى الإصابة بالأمراض، وقد تكون أحد أسبابها بصورة مباشرة لها أو مدخلًا لأحد الأمراض ومنها؛ الإصابة بمرض الربو المزمن، ومنه الربو المهني الذي قد يزول بعد التقاعد أو يستمر، كذلك ألم وأمراض القلب التي تسبب الموت المفاجئ، نافيًا أن تكون الضغوط أحد الأسباب المباشرة للإصابة بالأورام بصورة قوية، إلا أنها تؤدي إلى حدوث مرض يكون مدخلًا للأورام.
وتطرق إلى الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن الضغوط، حيث تقود الشخص إلى دخول في حالة من السرحان والهذيان والعزلة، وتعكر المزاج لأتفه الأسباب والغضب بسرعة وكذلك التعدي على الآخرين وتصل إلى اختراق القانون بشكل كبير.
ست درجات
وتحدث بشكل تفصيلي عن درجات الضغوط، بدأها بالأشخاص الذين يصابون بضغط نتيجة عدم امتلاكهم قدرات نفسية وفكرية في كيفية التعامل مع العالم الخارجي بسبب الرفاهية، بعدها درجة الضغوط من مشاكل خفيفة، منها؛ العمل في الليل، والسفر، أو التعليم، أو الزواج، وتأتي بعدها الدرجة الثالثة منها؛ الابتعاث والانتقال لبلد آخر يختلف في الهوية، والتحول إلى دين آخر واعتناقه.
وجاء الدكتور بالدرجة الرابعة من الضغوط التي تكون انعكاسًا لتغير مرحلة عمرية من الطفولة إلى المراهقة ومنها إلى الشباب، ومواجهة الشخص بالرسوب المتكرر، والزواج، والحمل، والولادة وخاصة مع أول طفل، أما الدرجة الخامسة فتكون بمستوى الحوادث المفاجئة أو مشاكل مزمنة كالديون المتكررة، واحتراق بيت أو تسريح من العمل.
واستشهد على الإصابة بالضغوط من الدرجة السادسة بقصة السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب "ع" ودورها الرسالي في كربلاء وكيف واجهتها جميع الأسباب من فقدان الأحبة بشكل جماعي وقتلهم، وحرق وحداد متكرر، مع مسيرة سفرها والسبي.
وأكد أن دور السيدة في مواجهتها منذ شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) وتكليفها بذلك سبقه استحضار نفسي منذ حياة أمها الزهراء وحياة والدها الإمام علي (عليهم السلام)، وتربيتها على الاستعداد للمستقبل بصبر وثبات نابع من الإيمان بالله.
فائدة
إن الأمر ليس سوداويًا بشكل مطلق، فهناك جانب إيجابي طرحه الدكتور المصطفى وهو أن الضغوط لها أيضا فائدة، موضحًا أن التوتر الناجم عن الضغوط يدفع إلى التقدم نحو الهدف والإنجاز، إذا كانت الضغوط بمقدار إيجابي.



