12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

المعلم سفير السماء

التعليم رسالة الأنبياء الأولى التي حملوها على عواتقهم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور عبر تاريخ الإنسانية بأسره.

والمعلم هو المتكفل الرئيس بهذا الدور العظيم الذي أسسه الأنبياء ليكون بذلك سفير السماء المعاصر.

التعليم هو المحك الحقيقي لتطور الأمم وتميزها في شتى المجالات، وهو الغذاء الذي يضمن لها البقاء والاستقرار في المستقبل، وهو الوقود الذي يجعلها تسابق المجد ألقًا وإشراقًا.

كل الأديان - دون استثناء - عبر تاريخ الإنسانية كان التعليم بوصلتها الأولى والذهبية. قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.
وعن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (ص): "العلم خزائن، ومفتاحه السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم".

وقد ورد في الأثر: "النظر إلى وجه العالم حبًا له عبادة"، "مجالسة العلماء شرف الدنيا والآخرة"، وعلى ذلك فقس الكثير الكثير.

بل إن الحث على طلب العلم يكاد يكون فريضة كما ورد في الكثير من الروايات التاريخية المعتبرة؛ لما يحمله من أهمية بالغة في حياة الإنسان في عالم الدنيا وما بعدها من عوالم.

عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: "قال رسول الله (ص): "طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا إن الله يحب بغاة العلم".

وعن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): "العالم والمتعلم شريكان في الأجر، للعالم أجران وللمتعلم أجر، ولا خير في سوى ذلك".

التعليم هو المعيار الحقيقي للتميز بين الناس، وهو المؤشر الصريح لمعرفة الله عز وجل؛ فالتأمل وإعمال العقل من صميم أبجديات العلم.

كما أنه الدستور الصحيح لحسن التربية، والأخلاق الفاضلة والذوق الرفيع، والكمال، والجمال والارتقاء، ومعرفة الحكمة، واختصار الزمن، وفهم فلسفة الخلق وسواها.

بلا شك أن الجهل بمعانيه المختلفة التي تعني ضد العلم أو السفه والطيش هو معول هدم وضياع البشرية الأول عبر تاريخ الإنسانية كله، وما الجحود، والتعصب، ونكران الجميل، والانحراف، والكراهية إلا شرر متطاير من نار الجهالة العمياء.

وعليه؛ فالمبدعون، والمتميزون، والمفكرون، والخالدون كان العلم والتفكر مطيتهم لذلك.

ومحمد وآل محمد نموذج كالشمس يسمو على السماء علوا ومكانة وعظمة.

العلماء والمعلمون هم سفن النجاة الحقيقية لمجتمعاتهم، وهم الشموس المشرقة ليل نهار، وهم مؤسسو طرق المجد والسعادة والحب والخير العميم.

بالعلم وصل الأطباء لهذه النهضة العظيمة المعاصرة التي تزداد توهجًا كل يوم، وكذلك المهندسون، والأدباء، والمبتكرون في مجالاتهم وبطرائق شتى، بمعنى أن ورود الإبداع وقادة التألق جميعهم خرجوا من خميلة العلم.

هؤلاء جميعًا لم يصبحوا كذلك لولا وجود معلمين أفاضل اكتشفوا مواهبهم، وغذوها، وطوروها بجميع السبل والطاقات والعلوم والمعارف، ونذروا أنفسهم لإعطائهم طرائق التفكير، وأسس التخطيط المنظم، وعصارة التجارب المتميزة، ورسموا لهم مستقبل الحياة.

وبلادنا الغالية مليئة بالنماذج الرائعة من المعلمين والمعلمات التي تستحق الإجلال والتقدير بامتداد الحياة.

وباعتباري معلمًا منذ تسع عشرة سنة أقول مطمئنا إن الشواهد من المعلمين المخلصين المبدعين الشرفاء وذوي الكفاءة والبعد الاستراتيجي لا عد لهم ولا حصر وفي كل المناطق لكن عند ذوي الألباب.

وللمعلمات ألف ألف شاهد وشهيد؛ لأنهن المثل الأعلى في المثابرة، والاجتهاد، والعمل الدؤوب، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل غرس بذور الإبداع، ولمسات التفكير المنظم، وتأسيس منظومة عقلية تسمو بها البشرية.

وما هذه الصولة أو الجولة التي يقوم بها البعض من السخرية والتهكم بالمعلمين واتهامهم بالتقاعس، والإهمال، والنوم، والبلادة إلا جهل مركب من قبل فئة جحودة أو ناكرة للمعروف ومستهترة بالقامات العلمية البشرية.

لا شك أن هذا التهكم والإجحاف الاجتماعي الذي يمارسه البعض، لن يوقف من عزيمة المعلمين وإصرارهم على تكوين أجيال تقود مستقبل البشرية بعلم ومعرفة حقة، وفكر مبدع، وحكمة بالغة في مستقبل الأيام، بل إن المعلمين والمعلمات سيحولون ذلك الشرر الناري الذي يحمله المتهكمون إلى قبس من نور يضيء الدنيا، ويرسم دروب المجد للناس ليسعدوا في حياتهم، ويسعدوا من حولهم.

إن الأمم المتقدمة حديثا، والمجتمعات الراقية، والأسر المبدعة والولادة للعطاء، والأفراد الاستثنائيون جميعًا أشرقوا من خلال العلم، وما سعة الصدر، والهدوء، والجمال، والكمال، والحب، والتقوى، والحكمة الذي يلوح على محيا المتميزين إلا ثماراً يانعة من أغصانه.

وخلاصة القول: إن المعلم هو الزهرة الفواحة عبيراً وعطاءً وجمالاً للناس، وهو الدرة الفريدة التي صيّرت الأحلام حقائق ملموسة، وهو اللبنة الأساس في صنع العقول المبدعة، وهو البذرة التي سقت الحياة عذبًا زلالًا، وهو الطريق لرغد العيش وأمان المستقبل، وهو المربي الفاضل والأب الحنون بلا مَنٍّ ولا أذى.

المعلم هو الفنان الذي صاغ الحياة لوحة فنية ملونة مستعينًا بريشة العلم الأزلية، كما أنه من وضع على جيد البشرية قلادة من نور.


error: المحتوي محمي