12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

النفخة الطاووسية «أنا ولا أحد غيري»

ورد عن أمير المؤمنين (ع): "الغرور قباحة المنظر والمعشر" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 19 ص 430).
المنطلق الحقيقي لمعرفة المرء لنفسه هو وضعها تحت مجهر التقييم للقدرات والطاقات بلا رتوش أو زيادات، حتى لا يعيش وهم القوة والاقتدار وهو لا يملك شيئًا من مقوماتها وملكاتها، فالثقة بالنفس معرفة بالقدرات دون مغالاة وتضخيم من جهة، ودون تجاهل وغفلة عنها من جهة أخرى.
وامتلاكه لمقومات التقدم ورفعة الشأن في نسبه أو ملكاته كالعلم والنبوغ أو الجاه أو القوة الجسمانية، لا يسوغ له الاغترار بها واحتقار الآخرين بسببها، إذ أن منشأ الغرور هو تضخيم ما يمتلكه من قدرات والإفراط في وضع تقييم لنفسه، فالإطراء والإعجاب يصرف المغرور عن كل ما هو جميل ومتقن من حوله، وينحرف به ويسلطه على ذاته فلا يرى مقتدرا ومبدعا إلا نفسه!

والغرور ناشئ من تضخيم التقييم لنفسه ووضعها في إطار المكانة العالية لمجرد امتلاك بعض القدرات والمهارات، مما يجعله معجبًا بذاته فلا يرى غيرها في فضاء التقدم والنجاح، وقد يكون الغرور ناشئًا من عقدة النقص والشعور بالعجز عن اللحاق بقطار الناجحين والمتميزين، فيحركه الحسد نحو الاعتداد بنفسه لا من شيء بل من فراغ حتى يقنع نفسه بأنه مثلهم بل وأفضل منهم، فحالة من الزهو تعلوه وتحيط به هالة الرفعة والتميز عن الآخرين، وبلاشك أن لتلك النزعة الخيلائية نتائج وآثارًا تبدو في تعامله مع الآخرين، ولا يمكنه إخفاء هذه النظرة التضخيمية لنفسه فتظهر انعكاساتها المهولة والتي لا تخفى على الكثير من الناس، ومنها روح الأنانية والعمل في اتجاه واحد وهو الأخذ دون العطاء، وتقديم مصالحه على كل شيء مع تبلد مشاعره تجاه آلام الآخرين فلا يبدي لها أي مبالاة، كما أنه من هواة وعشاق تسليط الأضواء الإعلامية عليه وظهوره بشكل متميز.

والمغرور لا يأنس إلا بمن يدغدغ مشاعر جنون العظمة عنده ويديم الثناء عليه دون توقف، وأبغض الناس إليه من واجهه بحقيقة شخصيته وما يكتنفها من عيوب وأخطاء، ومثل هذه العلامات وغيرها لا تخفى على عين الناس المحدقة والمميزة بين الشخصيات!
فللمغرور علامات سرعان ما تكشف حقيقة شخصيته، إذ أن قراءته الخاطئة لذاته وإعطاءها حجمًا أكبر منها يجعل من تصرفاته تجري في سياق غير مقبول ولا مرضي في الأوساط الاجتماعية، إذ أنه شخص لا يقبل مجرد النقاش معه فضلًا عن تغيير رأيه إن تبين عدم صوابه، ونظرته الدونية للآخرين فلا يرى فيهم إلا اتباعًا له وينتظر منهم التسليم والقبول لكل ما يراه ويطرحه في جلساته.

مسكين هذا الإنسان الكائن الذي يحيط به الضعف من كل اتجاه ومع ذلك يعلوه الخيلاء ونفخة الاقتدار الوهمية، فبشيء من المال أو المنصب تطير روحه وتعانق نجوم السماء كالدخان المتطاير، وينسى أن كل ما به وفيه من نعم لا تحصى من الله تعالى، وسلب ما عنده وصحته وقوته بل وعمره لا يتجاوز الكاف والنون!

ويشير أمير المؤمنين (ع) إلى نتيجتين من نتائج الغرور، وهما: سلبية المنظر أي الصفات البارزة عليه كالأنانية والتكبر والحقد على الغير وغيرها، والنتيجة الأخرى: سلبية المعشر أي الاضطرابات التي تسود علاقات المغرور أسريا واجتماعيا، فأي ود وثقة واحترام يحظى به وهو يستصغر الآخرين وينظر لهم بنظرة دونية، ولا يمكنه في يوم أن يمنحهم حنانه وطيبته ومواساته، وحتى على مستوى العلاقات الزوجية فإنه بالتأكيد لا يظفر بعلاقة مستقرة وئامية وهو بهذه الصفات السلبية التي لا تساعد على التقارب والانسجام بين الزوجين؛ إذ أن العلاقة الزوجية مشاركة في المشاعر والمساندة وتقدير الظروف وإسعاد الآخر، والمغرور خالي الوفاض من كل ذلك، بخلاف ما يسببه تعاليه وتكبره من خلافات ومشاحنات تعصف بالتفاهم بينهما وتجعله مهلهلًا.

والخلاصة أن الإنسان يرتفع شأنه بالتواضع والتسامح واحترام الآخرين، والغرور يجعله مسخًا من البشرية مشوهًا في صفحته الأخلاقية، وتراه منبوذًا اجتماعيًا لا يألفه ولا يتقبله من حوله.


error: المحتوي محمي