12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في القطيف.. آل سالم معلمتها أنكرت موهبتها..وأحفاد عبدالرضا يثنون عليها في الكويت

في واحدة من محاضرات العلوم الجامعية التي قد يجدها البعض مملة وجامدة، وتحديدًا في مادة "الأحياء"، وجدت نفسها فنانة بصورة أكيدة، فنانة تستطيع أن تنقل كل ما تراه أمامها من عينات بأدق تفاصيلها.

الفتاة الجامعية أصبحت معلمة، والمعلمة ما زالت تتمسك بهوايتها التي كانت غرس موهبة منذ الصغر، ثم حولت تلك الموهبة إلى أيقونة متعة تتسم بها حصصها، فهي تمارس الشرح لطالباتها وتدمجه بالرسم المباشر أمامهن لكل صورة ترفق في درسها، بل إنها عززته بأكثر من مجرد لوحة ترسمها أمامهن، فكانت تقدم لهن ورشًا خاصة، كما قدمت بعض الورش لأمهاتهن، حتى غدا اسم "فرحة آل سالم" مرتبطًا بجمال الفن كارتباطه بمعلمة الأحياء في المدرسة.

بدايات الفرحة
البداية في مدينة القطيف.. طفلة لم تلتحق بالمدرسة بعد، تقتطع الصور التي تستهويها وتلصقها في دفتر لتعمل منها ألبومًا فنيًا، وكأنها تغذي عينيها بكل جميل تراه، التغذية جرت التقليد، فقد بدأت الطفلة "فرحة" في رسم الرسومات التعبيرية التي تتسم بها مرحلة الطفولة، ولكنها كانت تجيدها بصورة أفضل من قريناتها، أما في المدرسة فقد كان خطها يلفت نظر الطالبات والمعلمات، وهنا تجلت موهبة أخرى غير الرسم.

تقول فرحة آل سالم لـ «القطيف اليوم»: "أعتبر نفسي متذوقة لجماليات الفن منذ الصغر، فقد كانت تشد انتباهي الأشياء الجميلة من حولي، كما أن أمي وأبي وأخواتي شجعوني على تطوير موهبتي الفنية".

وتضيف: "بعد المدرسة والالتفات لجمال خطي ورسمي، تعزّزت الثقة في نفسي أكثر، سيما أن كثيرين كانوا يصفون رسمي بالرسومات المميزة والتي تتصف بالجودة والإتقان".

تضاد
قد لا يصدق كثيرون موهبة الأطفال، خصوصًا إن كانت تسبق أعمارهم، إلا أن هناك من يتخذ موقف المشجع إذا ما أبهرته تلك الموهبة.

تعود فرحة بذاكرتها إلى أيام المدرسة حين كانت طالبة بمريولها الأزرق تلازمها ألوانها الخشبية وكراس الرسم، تقول: "كان تعامل معلماتي رائعًا ومشجعًا بشكل عام، ومن المعلمات اللاتي شجعنني كانت معلمة العلوم للصف الثاني الابتدائي، بعد أن رسمت أول لوحة إيضاح، وهي عبارة عن أجزاء النبتة، قامت تلك المعلمة بمدحي أمام الطالبات والتصفيق لي، كما أنها علقتها على حائط الفصل، وقد أسعدني ذلك الموقف جدًا".

وتضيف: "في المقابل هناك مَنْ شككت في موهبتي، وللأسف كانت معلمة لمادة الفنية في المرحلة المتوسطة، حتى أنها أنقصت درجاتي في مادة الفنية، وحينما سألتها عن السبب قالت إن هذا ليس رسمك".

وتتابع: "حينها بكيت ولم أستطع التعبير أو الكلام، لكن طالبات الصف هن مَنْ دافعن عني وأخبرنها أنني فعلًا مَنْ ترسم، واقترحن عليها إذا لم تصدق كلامهن أن تدعني أرسم أمامها، وبالفعل قمت بالرسم المباشر أمامها والحمد لله اقتنعت حينها".

تخصص وفن
انتهت أيام المدرسة بين معلمة مؤمنة بتلك الفنانة وأخرى مشككة احتاجت آية اليقين، وانتقلت بعدها إلى المرحلة الجامعية، وهناك تخصصت في مادة الأحياء، تلك المادة التي جعلتها تؤمن بموهبتها أكثر وأكثر، كيف لا وهي التي حولت معاملها إلى فسحة فنية، تستطيع من خلالها أن تمارس موهبتها وتركز معلومات المادة بطريقتها.

تقول: "كثيرًا ما كنت أمارس الرسم في المعامل الخاصة بالقسم، كمادة التشريح وعلم الأنسجة وعلم النبات والحشرات والزواحف والطيور، وأيضًا البيئة وغيرها من العلوم، فكنت أحرص على الرسم المباشر من خلال العينة وبأدق التفاصيل".

أثناء الوظيفة
كانت كلمات طالباتها وزميلاتها ووصفها دائمًا بـ"الفنانة" أكبر محفز لها للاستمرار، بل وفي اكتشاف موهبة أبعد من مجرد لوحات توضيحية، بل اكتشفت الفنانة التي بداخلها، وظلت ترجمتها للفن ماثلة في تلك اللوحات التي تقدم عليها شرح مادة الأحياء، وتؤكد: "دائمًا أربط مادة الأحياء بالفن، وباختصار التعلم بواسطة الرسم والنمذجة أسهل طريق لفهم المعلومة، وتقريب الفكرة، فكثيرًا ما أحرص على ربط الأحياء بالفن، وأيضًا اكتشاف مهارات الطالبات وتنميتها وعمل ورش خاصة بذلك على مستوى المدرسة والحي كافة".

مفتاح السر
وقد يظن البعض أن التدريس والفن وجهان لا يجتمعان أبدًا على عملة واحدة، بين التزام المعلم وحرية الفنان، ولكن فرحة آل سالم تغير المعادلة، وتقول: "بما أن تخصصي قريب للفن فهو ممتع، وأعتبره وسيلة لنشر الفن على مدى أكبر، وفرصة للتواصل الكبير لشريحة أكبر من المجتمع".

وأوضحت أن الترتيب هو مفتاح السر في التوفيق بين التزامها كمعلمة، وممارستها للفن، "أرتب وقتي بين المدرسة والفن، حيث أنجز واجباتي المدرسية أولًا وبعدها متعلقات الفن".

عائلة فنية
الفن عادة يحتاج إلى بيئة ملائمة لينمو ويتنفس، وكل الإشارات تقول إن "آل سالم" توافرت لها هذه البيئة الخصبة التي مزجت فيها عددًا من المواهب، وأكدت: "للعائلة دور في الدعم والتوجيه، وتوفير الوقت والمكان لممارسة الفن، وتسهيل الدراسة والبحث في مجالات الفنون المختلفة، عن طريق السفر داخل المملكة وخارجها، وزيارة المتاحف الفنية العالمية المختلفة التي تزخر بالفنون الإبداعية".

وأشارت إلى أن عائلتها بشكل مجمل متعددة المواهب، وذكرت: "جدتي كانت تجيد فن الحياكة، وأمي وأختي أيضًا تملك موهبة الرسم والخياطة، ومنهم من أبدع في مجال التكنولوجيا والخط، أيضًا الأطفال لدينا أرى لديهم بوادر لهذه المواهب، وبطبيعة الحال الأم مدرسة وقدوة للأبناء، فوجود أبنائي معي في نفس البيئة المفعمة بالفنون المختلفة سواء في المنزل أو المشاركات التي أحضرها أو المتاحف التي نزورها معًا، كل هذه الظروف تجعلهم يقتبسون الفن، ناهيك عن الوراثة في هذا المجال، وأتوقع أن أبنائي سيتفوقون عليَّ مستقبلًا إن شاء الله".

للفن وجوه أخرى
ومن دفترها القديم، يشهد خطها بالبراعة والدقة، تلك الخطوات الأولى لعالم القصبة والمحبرة، لتؤكد أن الفن عندما يأخذك إلى طريق، فما عليك إلا أن تتبع خطواته، فمرة بريشة وألوان، ومرة بمنحوتة جمالية، ومرة بخطوط تتهادى استقامة وعرضًا حسبما توافق للخط أن يكون، وتقول: "عشقي للفن هو ما يدفعني لتجربة وممارسة الفنون بأنواعها، عندي فضول كبير للاكتشاف، والخط بالقصبة على الورق، وكذلك بجهاز الحرق على الخشب أو النحت على الزجاج، والرسم باستخدام أكثر من خامة كالرصاص والفحم، أيضًا بالألوان الزيتية والإكريلك، والنحت على الخشب بأنواعه المختلفة (الزانالتيك، والوينقي، والزبرانو، والبادوك، والبوبينجا) باستخدام الأزاميل وتجسيم الحرف بواسطة جهاز السكرول سو، أيضًا تجربة التجسيم بواسطة الطين بأنواعه الأحمر، والأبيض، والرمادي، ورسمت البورتريه، والطبيعة الصامتة، أيضًا رسمت بالخط".

وتضيف: "وحقيقة أظل حائرة عندما أسأل نفسي أيها أقرب إليّ، فأنا أتذوق الفن بأنواعه كتذوقنا لأنواع الطعام، لا أستطيع أن أفصل بينها، فجميع الفنون في نظري مترابطة ومكملة لبعضها، فمثلًا النحت مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالرسم، وحتى الخط عبارة عن رسم للحرف وهكذا".

النحت
شحيحة هي تلك الأيادي التي تجيد النحت، خاصة من الأيدي الناعمة، وتبرر ذلك قائلة: "الآن هناك كثير من المهتمين بمجال النحت من الشباب من الجنسين، وعملت أكثر من قطعة فنية، بعضها مخطوطات نحتية، وأخرى تجسيم لبعض الأشكال، وإن شاء الله سوف أتوسع في مجال النحت بالتدريج".

أول لوحة
وتتذكر أول لوحة قامت برسمها، كانت "محاكاة لأحد أعمال الفنان القدير منير الحجي، عبارة عن أحد المداخل في منطقة القلعة في القطيف، ونفذتها بالألوان الزيتية، أما اللوحات الأقرب إلى نفسي فهي التي تحتوي على التراث في منطقتنا الحبيبة".

موهبة وهواية
بعد أن تيقنت "آل سالم" من موهبتها، ومارستها بإتقان، ظلت تبحث عن تلك الحلقة المفقودة لتكتمل سلسلة الفنون، فما كان منها إلا أن توجهت لصقلها بالدورات المتخصصة، سيما في الخط والرسم والنحت، وحضور ورش فنية مع فناني وفنانات المملكة والخليج العربي، وأيضًا بالتغذية البصرية والمتابعة في المواقع الفنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا إنستجرام والسناب وبرنامج Pinterest والممارسة المستمرة.

قطع البازل
ويبدو لمن يتابع "آل سالم" أن الطفلة التي بداخلها لم تكبر بعد، فشغف الألعاب ودهشة اكتمال تركيبها ما زالت تتملكها، ولكن عندما تتحول اللوحة إلى قطع بازل، تلك اللعبة التي عشقناها صغارًا، وكم قضينا ساعات في تركيبها، أصبحت سمة مميزة للوحاتها، وبالطبع كما ذكرت أنها تجد صعوبة في إنجاز لوحات فنية بهذا الأسلوب، حيث إن هناك خطوات عديدة لتنفيذ عمل فني بطريقة البازل، وأوضحت: "الرسم يأتي أولًا، ثم الطباعة والتثبيت، ورسم قطع البازل؛ ثم قصها بواسطة جهاز السكرول سو، طبعًا العمل يتطلب الدقة الفائقة سواء في القص أو أثناء مرحلة صب الريزن".

وهذا الأسلوب رغم صعوبته، إلا أنها تستخدمه كعلاج نفسي ضد الملل والاكتئاب، ولتمضية أغلب الوقت فيما هو مفيد، وفي النهاية الشعور بنشوة الاكتمال عندما ترى ما كانت تصنعه منتجًا كاملًا أمامها.

لوحات الفنانين
وتحتفظ ذاكرة "آل سالم" بقصص وحكايات لبعض لوحاتها، ومنها لوحات البورتريه التي عملتها بطريقة البازل للفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا، وأيضًا الفنان إبراهيم الصلال، والفنان علي المفيدي، التي لاقت إعجابًا كبيرًا من قبل الزوار للمعرض سواء من الفنانين أو عامة الناس، فكانت الفكرة والاختيار شيئًا ملفتًا، وتقول: "من الظريف أن في مشاركتي في الكويت أتشرف برؤية أحفاد الفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا، وهم وقوف بجانب لوحة جدهم ويشكروني على هذا العمل، طبعًا أنا لم أكن متصورة لما حدث، وتأثرت حينها كثيرًا".

خارج الحدود
وكان للفنانة "آل سالم" تجربة في تمثيل المملكة خارجيًا، تقول عنها: "مثلت المملكة في دولة الكويت من خلال مشاركتي في معرض الصناّع العالمي ميكر فير، وحصلت على جائزة التميز للإنتاج في عام ٢٠١٩، أيضًا مشاركتي مع بارع الحرفيين في الكويت في قرية الشيخ صباح الأحمد في مهرجان الموروث الشعبي، وكانت تجربة رائعة حققت من خلالها اكتساب معارف ومهارات جديدة وتبادل الخبرات بين الفنانين والحرفين".

مال وأعمال
ونأتي إلى نقطة مفصلية، حول ما إذا كان الفن يمكن أن يكون مصدر دخل يعتمد عليه الفنان، وبينت "آل سالم" أن "الفن للفنان حياة ومشاعر، أكثر من كونه مصدرًا اقتصاديًا، وفي الحقيقة المبلغ المدفوع والجهد المبذول لا يساويان أبدًا ما نحصل عليه، فالحقيقة أن الغالبية تتفرج على اللوحات للتصوير لا للاقتناء، وهذا من سلبيات الفن في منطقتنا، ناهيك عن أن البعض يطلب رسومات شخصية بدون الرغبة في الدفع أحيانًا، لكن حبي للفن هو ما يجعلني أستمر، ووجود وظيفتي هو الدعم الأكبر حقيقة، وأعرف بعض الفنانات ممن لا يمتلكن الوظيفة يعانين في توفير مستلزمات الفن المكلفة".

نصيحة
وفي ختام لقائنا، وجهت "آل سالم" كلمة للفنانين قالت فيها: "النصيحة التي أقدمها أن يتحلى الفنان بالأخلاقيات السامية، كالحب والصبر والاجتهاد أولًا، فهذا هو الفن الحقيقي، وألا ينظر للآخرين بعين الحقد أو الحسد فهذه من المدمرات، وأن يطوّر من إمكاناته بالتدريب المتواصل والحثيث ليصل إلى ما يطمح إليه، ويترك السلبيات والمحبطات جانبًا".

خطوات
أما خطواتها المقبلة كما ذكرتها بأنها تتركز في تطوير مهاراتها الفنية، وإنتاج أعمال ذات جودة عالية، والتخطيط لعمل مرسم متكامل يضم أنواع الفنون، وإقامة الورش المختلفة وصالة عرض.

من هي؟
*فرحة عبد الله آل سالم.
*بكالوريوس علوم ومعلمة أحياء.
*عضوة في جماعة الفن التشكيلي في جمعية الثقافة والفنون بالدمام.
*عضوة في "بارع"، وهو برنامج يعنى بالحرفيين في المملكة العربية السعودية.
*عضوة في جماعة الخط العربي في القطيف
*عضوة مع جماعة النحاتين على مستوى الخليج.

[banner id="130713" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]


error: المحتوي محمي