تسافر الكلمات بامتداد الأفق، لتضع رحالها على شواطئ القوافي، وانعكاسات الصور الجمالية، لتسكن في حكايا شعرية تغلّفها الدراما والقصص، لابن بلدة التوبي الشاعر عليّ مكي الشيخ، الذي فتح بوابة أسراره الشعرية والشخصية لـ«القطيف اليوم» في هذا الحوار الذي يملأه ألق اللغة وجمالها..
من هو...
في البداية يعرف مكي نفسه كشاعر وفارس للكلمة بأنه جاء على صهوة الكلام المائس فوق عرائس اللغة الشاعرة، حرفًا من حروف القطيف، ترعشه قرية "التوبي"، مجدولاً بأغصان تربتها وأوراق ليمونها، تخب به الخطى بين أترابه، الذين صنعوا معه ذاكرة المكان المليئة بالعفوية والبراءةً فقد تفتحت أبصاره على تراتيل النساء في "المعلم".
حياته
تخرج في جامعة الملك سعود بالعاصمة الرياض عام 1419هـ، وعمل مدرسًا للغة العربية، وما زالت المهنة تلازم مشروعه الشعري، تزوج بفتاة لها مكانتها من سدرة اللغة، تخصصها لغة عربية أيضًا، ولها حضورها في المحافل الدينية والمناسبات الاجتماعية، كمنشدة ورائدة للعمل الإرشادي، إنها السيدة زينب محمد الشعلة، وله من الأولاد أربع: "البتول، والحسن، وحوراء، وكوثر".
أعماله
لمكي عدد من الكتب منها كتاب نقدي تاريخي بعنوان "عند سدرة المنتهى"، عالج فيه مكي بالاشتراك مع السيد محمد الخبار تاريخ أدب القطيف الشعري منذ صدر الإسلام إلى الحاضر، وأوضحا فيه مآخذ القصيدة الولائية في القطيف، حيث طبقت الدراسة على 15 شاعرًا، بعدها قدّم الدراسة لنماذج نصوص عربية استطاعت أن تنجح، وتقدم تجربة ولائية عملاقة وناضجة، وأصدر خمسة دواوين شعرية، هي: مملكة التسبيح 1430هـ، ونقش خاتمه 1432هـ، ومعي رقصة تشبهك 1435هـ، ومن ورق الجنة 1438هـ، وكرز 1440هـ.
ويقول عن حبه للأدب: "بدأ شغفي باللغة منذ المرحلة المتوسطة، وحتى هذه اللحظة، ولدي الكثير من الذكريات والمراوحات الأدبية والفكرية الممزوجة بتجاذبات الوعي الحركي لنهضة جيل، يحترم العقل، ويعشق الجمال".
أول القصيد
يتحدث عن بدايات عشقه للقصيدة وكتاباته الأولى للقافية، فيقول: "البداية، تسربت في مراحل متقدمة، ولها إرهاصات في صباي، وسرعان ما عانقت أول درس عروضي، وأنا في الصف الثالث الثانوي عام 1414هـ، على يد أستاذي الشاعر السيد حسين علوي الجراش، من أبرز شعراء التوبي آنذاك، بصحبة ثلة من الزملاء المميزين لغة وثقافة أذكر منهم: رضا الجزير، ورمزي محمد الشيخ، ومحمد عيسى غزوي، بعدها انطلقت في أروقة المكتبات، وواصلت البحث القرآني والشعري والأدبي، كما كنا في الدرس العَروضي، نعمد للتدريبات الكتابية، والمناقشات الإثرائية، التي مكنتنا من هضم المادة، وتأصيلها ممارسة وحفظًا".
الكتابة
لكل شاعر طقوسه الخاصة في الكتابة، فمنهم من يمسك بأدواته ويكتب القصيدة احترافًا، ومنهم من تتلبسه حالة القصيدة وتجبره على صوغ الكلمات في أبيات شعرية، وبالنسبة لشاعرنا فتمتزج الحال بين هذا وذاك، فلحظة الكتابة عنده لا تأخذ منحًى واحدًا، فهي تأتي بأشكال وصور متنوعة، وهناك طقوس قد يعيشها كل شاعر ساعة ميلاد النص، ولكنها قد تفرض عليه بعض المعاناة، فالقصيدة هي التي تأخذ الكاتب لعالمها ليس هو.
حالة
ويبين أن ولوج الشاعر في القصيدة قد تسبقه الفكرة، وقد تتوالد الأفكار أثناء الممارسة الكتابية، وهذا من طبيعة أي عمل إبداعي ومعماري، وما على الشاعر إلا أن يتأنى حال الكتابة، ولا يبتسر الأفكار، وتستهويه سرعة المشاركة أو النشر. فالفكرة قد تتطلب الجهد والصراع والممانعة في بعض الأحيان، والكفاح معها من جهاد اللغة واجب شعري عقلاني.
ويقول: "قد يعيش الشاعر صراعًا بينه وبين قصيدته، وذلك لعدة أسباب: أولاً: أن الشاعر إذا كتب نصًا، يريد كتابة نص مختلف، فلا يريد تكرار التجارب السابقة، ثانيًا: لابد للشاعر أن يجتهد في كسر أفق التوقع مع قارئة، وأن ينتهك الضمنية المعهودة أيضًا، كما أذكر هنا كلمة الناقد والاس إستيفن، الذي قال: "لابد للشاعر أن يقاوم الإدراك"، فهو بين إثبات ذاته من عدمها، والصراع، يحتدم بين أن يكون أو لا يكون، ومن جميل ما قرأت في هذا المعنى الشعري بيتان للشاعر الكبير جاسم الصحيح، إذ يقول:
والشعر منذ الشعر لم ينبت على
سطح الكلام - وإنما في قعره
الشعر سكين، وليس بشاعر
من لا تجرحه كتابة شعره
سنوات العزلة
والعزلة من بين الطقوس التي يمارسها الشعراء عادة، وفي رأي مكي أن الاعتزال أو الاعتكاف أو الخلوة تلبسات لابد منها، فمن غار حراء انطلقت أعظم فكرة إصلاحية إنسانية، ولابد لكل شاعر أن يأوي لياقته الروحية وعمقه الغيبي، كي يفجر طاقة الإبداع، التي ستلقى عليه من لاهوت أبديته، ويقول: "النص يحتاج للخلوة في كثير من الأحيان، صحيح أن بعض الأبيات، تخرج عفو الخاطر، وتستبق قلب الشاعر، وتكون محببة، ورقيقة، ولكن لا يجب التعويل على مثلها في كل التجارب، وأنا أقول لنفسي: لا تحرك به لسانك لتعجل به".
الإلهام
يعتبر أن لكل شاعر ملهمًا أو مثيرًا وباعثًا يثير لديه لحظة الدفق الشعري، والتي يمكن أن نسميها بحالة التلبس اللاواعي لدواعي الكتابة"، مضيفًا: "ربما الموقف المؤلم أو اللقطات المفرحة عبر تجل زمني، تماهى معها الشاعر، أو غمزة جفن آسر لمحبوب أشعل فتيل الشوق من مرحلة النبض إلى جنون الكتابة".
الدهشة
ويعرّف الدهشة الشعرية أنها باختصار فن المباغتة، والمفاجأة في لحظة التجلي، والدهشة في اللغة تعني غياب العقل من الوله، فحين يستحوذ عليك النص بصورة خاطفة، ويغيب وعيك إلى فضاء حالم ثم يستحضرك بصعق مفاجئ، تستشعر خلالها أنه هزم من الأعماق.
مقومات
وفي نظره مقومات الكتابة الإبداعية هي التي تحقق المتعة الفنية بأعلى مستوياتها، وهي التي تثري الذائقة، ومن أهم مقوماتها، أنها تشرك المتلقي في فهم النص، فتجعله من قارئ أفقي إلى قارئ عمودي.
النقد
ولأن الأدب له قرين آخر هو النقد، ورغم حساسية كثير من الشعراء من النقاد، إلا أن مكي يعتبره البوصلة التي تدل على صحة الطريق، ويقول: "علاقتي بالنقد منذ تخصصي في الجامعة وإلى الآن كانت رسالتي للبكالوريوس التي أشرف عليها الدكتور عبدالله الغذامي، وهي دراسة تحليلية في نص السيد عدنان العوامي "وقفة على أطلال خولة"، أما في القطيف، فالنقد المكتوب والموجه يكاد أن يكون شبه معدوم، وإن كان لا تخلو منه الجلسات الأدبية والشعرية بين المنتديات، واللقاءات الخاصة".
شعراء القطيف
وبعيدًا عن الذاتية، يكن مكي عشقًا للقطيف وشعرائها، فيقول: "الحديث عن الشعر القطيفي قد يطول، فالقطيف أرض حُبلى بالكثير من القامات الشعرية الرائدة عبر العصور الأدبية، وما يمكن الاستشهاد به - على سبيل المثال لا الحصر -، أننا كنا صغارًا مسكونين بشهوة أدبية راقية ممن عاصرنا أو تأثرنا بشعرهم والاستئناس بمنجزهم الثري، كالشاعر أحمد الكوفي، الذي كرمه منتدى الغدير الأدبي عام1419هـ، في حسينية السنان، وهي أول أمسية مهيبة أحضرها على مستوى رفيع من الحضور، والمشاركات الأدبية وقد اقتنيت ديوانه، الذي دشن وقتها، والشاعر الشيخ عبدالحميد الخطي، رائد الحركة الشعرية في القطيف، كما يحلو للبعض تسميته، هو وجيل من أترابه محمد سعيد الخنيزي، وأبي رياض، وعبدالوهاب المجمر، وقصيدة الشيخ، التي لا تزال على كل لسان، ومنها:
قالوا القطيف فقلت غاية قصدنا ألق المراسي أيها الربان
والسيد عدنان العوامي، الشاعر الإنسان، الذي تعلقت به كثيرًا، فهو روح جاذبة بكل تفاصيل المحبة والوعي الثقافي والجد في العمل منقطع النظير، تعلقت بديوانه "شاطئ اليباب"، وببعض نصوصه الحياتية، كنت ألتهم من لغته فخامة الألفاظ وجزالة الكلمات العذبة، وكم كنا نتغنى بقصيدته في تاروت، التي قال فيها:
تاروت جئتك مكدود الخطى تعبا
وكان شعره مزدحمًا بالأمكنة والتراث، والانتماء لحضارة الأرض، والشاعر الراحل سعيد العصفور، أبرز شاعر في قرية التوبي، الذي أصدر ديوان "هدير الصمت"، فقد كان بمثابة الصديق، والأستاذ الملهم للقرية، تراه في كل محفل ومناسبة دينية واجتماعية، أما بين جيلنا اليوم، الشعراء كثر والتجارب، تتباين، وإن تنوعت الأدوار، فقد استهواني وتأثرت بالشاعر أمجد المحسن، والشاعر صبحي الجارودي، وحسين المنصور، وبدر الشبيب، ورائد الجشي، وصالح الخنيزي، وجميل الحبيب والشيخ عبدالكريم آل زرع، والشيخ علي الفرج، ومحمد الماجد، وشفيق العبادي، وهذه أبرز التجارب التي تفاعلت، واستفدت منها كثيرًا في القطيف".
منتديات
وأشار إلى أن المنتديات في القطيف، تنحصر بين التقليدية، والمتطورة، مشيدًا ببعض الملتقيات الجادة، كملتقى تمائم أدبية، حيث يعتمد على مستوى الطرح الراقي بأسلوب حديث، ويدعو المشتغلين على الفن بكل صنوفه، وكذلك ملتقى حرف الأدبي، وسياسة التركيز على طباعة الدواوين لشعراء، تميزوا في مسيرتهم الشعرية، ملفتًا إلى أن المشهد الأدبي في القطيف بشكل عام، يبشر بالكثير من الألق والتنوع والثراء في المنهجية، فنجد من التجارب المختلفة والجادة التي تبتعد عن المشاكلة إلى درجة المفارقة الشاعر محمد الماجد في "مسند الرمل"، حسين المنجور في "أنا الهارب مني"، ورائد الجشي في "ألواح الطين"، ودواوين الترجمة، أمد المحسن في "سهرة عباسية، و"شفيق العبادي في "شيء يشبه الرقص"، وغيرها من النماذج الجميلة، أما من حيث الفعاليات، فإن القطيف، تكتظ بالأماسي الثابتة، والمتغيرة، ولا يكاد يمر أسبوع دون فعالية أو مناسبة. وهذا حدث يحسب لها.
إضاءات
يتخذ الشاعر مكي من بعض الحكم شموعًا تضيء له الطريق ومنها: قيمة كل امرئ ما يحسن، والجمال يتحدث كل اللغات.
مواقف
كثيرة هي المواقف التي تمر بالإنسان ومنها المفرح والمحزن، أوضح مكي أن الموقف السعيد الذي يتكاثر داخله ويلمع في ذاكرته، وأسعد موقف مر عليه حين اكتشف أنه أصبح شاعرًا، ويؤكد أن المواقف السعيدة لا تتوقف على جدار الذاكرة كثيرًا، فهي تمر مر السحاب، أما الموقف المؤلم فهو إصابتي بحصوات الكلى، التي عانيت، وما زلت أعاني منها منذ أكثر من 17 سنة، رافقتني «اتباع الفصيل محالب أمه».
أدوات
وبلغة خبير يمسك بأدواته أوضح أن هناك عدة ممارسات وتقنيات تطبيقية يمكن للشاعر بناء شاعريته منها:
بعد أن يكتشف الموهبة، التي تسكن ذاته، وبعد عرض هذه التجارب الأولى على ذوي الخبرة، الذين يثق بذائقتهم العالية دون أي مجاملات، يستطيع بعدها، أن يخضع لدورات تكثيف الإبداع الشعري من الإتقان الموسيقي إلى كتابة الجملة الشعرية، وتطبيق دورة البلاغة بفرعيها، ودروس الصرف المبسطة، كي يصل للنضج اللغوي، والبياني، ثم الأسلوبي، ثم القراءة لكبار التجارب الشعرية عربيًا، ومحليًا قراءة استكشافية، بمعنى أن يقرأ بأسلوب التفكيك للنص، ليضع يده على مواضع الدهشة، ويتشرب بها، ليستطيع اختزال كل هذه التجارب، ليمكن إفراز ما يضاهيها، كما يقول علي حرب: "كل تجربة شعرية، هي إفراز لمجموعة من التجارب السابقة"، وكذلك حضور الأمسيات الشعرية، والاحتكاك بالشعراء، وجلسات النقاش مما تثريه، وتغذيه بالكثير من الرؤى الشعرية المتعددة، وغيرها من الطرق الممكنة لبناء شاعرية متمكنة.
سيرة في قصيدة
يعتبر البعض أن القصيدة تمثل في جزئياتها السيرة الذاتية للشاعر، من خلال التمويه البلاغي، كما ذكر بعض النقاد في كتابات الشاعر محمود درويش، أنها سيرة ذاتية في بعضها، يصورها جماليًا، وبالنسبة لشاعرنا علي مكي فكل قصيدة هي جزء من تاريخ شاعرها؛ لذلك يعد الصدق النفسي والعاطفي في النص من أبرز مقوماته، وكل نص يكتب من خارج الذات يكون منسوب التفاعل، والشعرية أقل من النص، الذي تبعثه الذات في لحظة تفاعل صادق، مستشهدًا بكلمة للشاعر الشيخ علي الفرج، تقول: "قصيدة المناسبة هي التي تدخلها من الخارج".
تجارب الغرب
يؤكد مكي أن الاطلاع على التجارب الشعرية للمجتمعات الأخرى الغربية تضيف للشاعر العربي، وتطور من أدواته ومهاراته الكتابية، ويعدها ظاهرة إيجابية تمامًا، فهي تثري وتغني التجربة بحالة التوافق بين الشعوب، فيقول: "كما نرى في التاريخ ما أحدثته الترجمة على الثقافة العربية حين أنشئت أول دار الكتب، وهي بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد، حيث ترجمت آلاف الكتب اليونانية وغيرها لتؤثر في الشعر وبقية العلوم، أما الذي تضيفه للشاعر ومدى تأثيرها، فكلنا قرأ شعر المهجر والمدرسة الرومانتيكية، وكيف اعتنوا بالأسطورة في الشعر، كما استخدمها السياب، والشابي وغيرهما الكثير".
مواهب
وللشاعر مكي مواهب أخرى يتقنها، ويقول عنها: "كنت شغوفًا بالخط، ولكني لم أخصص للموهبة وقتًا كثيرًا، فكنت ألعب كرة القدم، وانضممت للكثير من الفرق الصغيرة في التوبي وخارجها، كنت أحصد المركز الأول في تدريبات، ومسابقات نادي التوبي الرياضي للبراعم، وحاليًا أمارس فن الطبخ، ولي شغف بالمطبخ منذ زمن كبير، فأنا أول من ابتكر "عصير الرطب"، لأكثر من 15 سنة".
عصير الرطب
وبشيء من التفصيل عن تجربته في عصير الرطب، يقول: هوايتي مع العصيرات، قديمة، وكان شغفي بها، يحرضني على محاولة التجريب، وابتكار بعض المشروبات غير المتداولة، وبالنسبة لتجربتي في إعداد عصير اللوز القطيفي، وعصير الكنار "النبق"، وعصير البوبي القطيفي، وكذلك عصير المكسرات، كنت أتساءل دائمًا: لماذا لا نستثمر ما لدينا من منتجات زراعية، فالقطيف اشتهرت، بأنها سلة غذاء على مر العصور إلى أن جاء موسم الرطب قبل أكثر من 15 سنة، فقدحت لدي فكرة تحويله لمشروب استثنائي، بالفعل أعددت العصير، بمكوناته البسيطة جدًا، فكانت المفاجأة مذهلة ورائعة فصار الرطب عصيرًا لذيذًا، أسرعت لأخواتي كي أعلن لهن عن مشروبي الجديد، وجعلتهن يتذوقنه دون إخبارهن بمكوناته، لم يهتدين له إلا بعد تخمينات، فانتشر بين الأهل والأصدقاء، وديوانية جدي "أبي جعفر" العامرة، وأذكر بعدها بسنوات قليلة أنه زارني الشاعر القادم من الأحساء ناجي علي حرابة، ومعه شرحة رطب، طالبًا مني أن أعمل له عصير الرطب".
إلى المطبخ
ومن الحديث عن عصير الرطب، إلى المطبخ مباشرة، وعلاقته الوثيقة به، والتي لا ينكرها على الإطلاق، بل يقول عنها: "لي علاقة بالمطبخ، وممارسة الطهي لعلها ترسخت من كوني، تغربت أيام دراستي في جامعة الرياض، بعدها قضيت سنة في وظيفة التدريس بحفر الباطن، والغربة تصنع كما يقال، حيث تجعلنا نعتمد على أنفسنا في إعداد الوجبات الغذائية، ومنذ زمن بعيد، كانت طقوسي في يومي "الخميس والجمعة"، والإجازة، أن أعتكف في مكتبتي الصغيرة من بعد صلاة الفجر إلى قريب من صلاة الظهر، أقضيها بين القراءة والمطالعة والكتابة، حيث صفاء الذهن، ولحظات الهدوء، وفي هذا الوقت لابد لي من وجبة إفطار أعدها بنفسي بكل مكوناتها، وفي بعض الأيام قد أعمد إلى طهي وجبة الغذاء للعائلة بدلًا من “السيدة”، أحاول أن تكون وجبة مميزة، وأطبخ جميع الأصناف اللحم أو الدجاج أو الأكلات البحرية، وكنت شغوفًا بعمل المنتجات الصحية والطبيعية بدلاً من المعلبات المهدرجة والمملوءة بالمواد الحافظة، فعملت كثيرًا منها كزبدة الفول السوداني، والفستق والكازو، والحمص، والمربيات بعدة أصناف الفراولة، والمشمش، الأترنج القطيفي، وغيرها الكثير".
ويظل المطبخ وأعماله، بعيدًا تمامًا في دلالته عن المكون الشعري، ويقول مازحًا: لا أعتقد أن لها علاقة بالعمل الشعري، ولكنها تعد بالنسبة لي عملًا فنيًا آخر أحببته ومارسته، وكما هو معروف "الطبخ نفس" أجد فيها المتعة الكبيرة، وقد يدخل الخيال في بعض جوانبها، والشيء بالشيء يذكر، فقد كنت أيام الجامعة مطربًا لبعض الأبيات الفنتازية والكاريكاتورية، ولا أعتقد أن لها علاقة بالعمل الشعري، ولكنها تعد بالنسبة لي عملًا فنيا آخر أحببته ومارسته، ومنها هذان البيتان:
إذا الإجهاد أورثك الخمولا وصار الجسم مرتخيا كسولا، لتنتعش القوى والجسم يصحو، عليك بجرعة من "بيبسي كولا"
وهي ليست دعاية للبيبسي، فأنا ممتنع عنه منذ 15سنة أو أكثر".
مشاريع كتابية
ويعد مكي من الشعراء الذين لهم اهتمامات وثيقية وتاريخية بعيدًا عن الشعر، ويؤكد أن عشقه للكتابة لم يتوقف، منذ تخرجه في الجامعة بل قبل ذلك حتى، فكان يشارك في إعداد بعض المسابقات والمجلات المحلية، وكان يصدر صحيفة أسبوعية بنفسه فقط، ينشرها للأصدقاء، وكانت بخط يدي، أما عن مشروعات الكتابة فهي كثيرة ومازالت مستمرة رغم أنه لم يطبع منها شيئًا، ويقول: "أخرجت، ونقحت مخطوط ديوان السيد محمد بن مال الله الفلفل، وستطبع في مجلدين، حيث أنهيت العمل فيه قبل أكثر من سنتين، وهو الآن لدى مؤسسة طيبة لإحياء التراث".
ويضيف: "وكتاب العصفور، يتحدث عن سيرة الشاعر سعيد العصفور، أحد شعراء التوبي، الذي توفي سنة 1417هـ، وقد قسمته إلى خمسة فصول: النشأة والتربية، ومجلس التأبين والمشاركات التي ألقيت في الآيتين، العصفور في الصحافة والأدب، وما كتب عنه في الصحف السعودية، وفصل في إخوانيات العصفور، ومراسلاته الشعرية المتبادلة بين أصدقائه الأدباء، ومختارات من دواوينه المخطوطة، وهذا الكتاب شبه منجز، فقط يحتاج لمقدمة وينتهي، و"عبق السماء" ديوان يضم أجمل ما قيل في أبي طالب شعرًا، وهو يقسم لقسمين الفصيح، والشعبي، ومازال العمل على جمع النصوص وقد بلغ تقريبًا 400 صفحة".
واختتم قائلًا: "و"قالوا في الإمام علي (ع)"، وهو كتاب يضم 500 قول في حق الإمام علي (ع)، قالها أعلام وأدباء من غير الطائفة الشيعية، وهو قسمان: النثر والشعر، وقد بلغت 450 قولاً.
وكشكول الصداقة والمحبة، جاهز ومخطوط باليد، وهو مختارات لأجمل الأبيات، والعبارات الرائعة، ويقع في 250 صفحة تقريبًا. ولدي بعض القراءات، التي تحلل، وتعالج بعض دواوين الشباب الشعرية ألقيت في عدة محافل أدبية".




