ورد عن الإمام الباقر (ع): "يبتلى المرء على قدر حبه" (بحار الأنوار ج ٦٧ ص ٢٣٦).
بعين التشاؤم والنظرة السوداوية ننظر لما يواجهنا من مصائب وأزمات على أنها أوقات عصيبة لا مخرج لها، بل ويزن البعض نفسه بميزان التخلص من المنعطفات الصعبة والمشاكل، فكلما كان بعيدًا عن مصادر الألم والانكسار والهزيمة النفسية، شكل ذلك عنده قراءة صحيحة لمسيره وما ينفذه من خطوات، وإلا فإنه يزنها بالتعاسة والشقاء ونقص الحظوظ.
والحقيقة أن كل ذلك غير صحيح، فالأزمات جزء من حياة كل فرد وجعلها سبحانه وتعالى سنة إلهية تجري على جميع العباد بلا استثناء، فمقابلة المشكلة لا يشير من قريب ولا من بعيد إلى مكانة الفرد أو حصافة عقله كمؤشر وحيد على ذلك، وإنما البلاء والمشقات والإخفاقات محطات اختبار يتمايز عندها النلس ويبان ما يستبطنونه من أفكار وصفات، فكم من إنسان يحمل في رأسه وهما يتعلق بتمتعه بصفات القوة والقدرة على تجاوز العقبات وتخطي الصعاب حتى الوصول إلى غاياته، ومع هبوب أول عاصفة يسقط سقوطًا مدويًا ومثقلًا باليأس والإحساس بالعجز!
الابتلاء مرحلة كاشفة لحقائق نفوسنا وتضعها على المحك العملي الحقيقي، وما أحوجنا لمثل هذه الدورات التدريبية التي تجري اختبارات تجريبية لمعرفة قدراتنا وأوجه الضعف والقصور عندنا، وسنة الابتلاء نفحة ربانية ينعم بها الله تعالى على عباده المؤمنين، فليس من العيب في شيء أن أكتشف ما يعتورني من خلل وأخطاء لو استمر بي الحال هكذا لكنت ضائعًا ولم أستطع أن أصلح من عيوبي، ولذا فإن المؤمن لا يستقبل غمام الصعوبات والمشاكل على مستوى علاقته بربه بارتكاب الذنوب أو دراسته أو عمله أو علاقاته الأسرية والاجتماعية بالتأفف والحيرة أو تهاوي إرادته فيصاب بردة انفعالية عنيفة، كلا، بل يستوعب تلك اللحظات العصيبة بالاتكال على الله تعالى من بيده مقاليد الأمور والاستعانة به ليتجاوز تلك المرحلة الصعبة والتي بلا شك أنها مثقلة بالهموم والألم، ولكنه مرتاح البال وهادئ الجنان من ناحية تقدير الباري له بهذا الابتلاء من جهة، ومن جهة أخرى فإن تكليفه كإنسان كرمه تعالى بالإرادة والقدرة على تحمل الصعاب (الصبر) هو مواجهة التحديات ونفض غبار الركام من حوله.
ومن جوانب الابتلاء والاختبار هو صدق المحبة والولاء لنهج الأنبياء والأئمة والمعصومين (ع)، فالاقتداء بهم سير تكامل تترامى على جنباته الكثير من الصخور التي يمكن أن يعثر بها، فأولًا يحتاج في هذا الطريق الشائك إلى محاسبة نفسه بالتمسك بمضامين نهجهم الشريف وعدم الاكتفاء بالولاء على مستوى الانتماء الأسمي.
ومن جهة أخرى، فإنه سيواجه أهواءه ومكائد الشيطان الذي لا يريد له بلوغ شاطئ النجاة والخلاص، فالتجلبب بالتقوى والخوف من الله تعالى وحبه لهذه الصفات المتصف بها أولياء الله تعالى هو المقياس الحقيقي لتجاوزه محطات الاختبار، فعباداته وعلاقاته ومنطقه وتصرفاته متى ما كانت بوصلتها طلب رضوان الله تعالى فإنه بالتأكيد سائر في الطريق الصحيح، وليتمسك في طريق الثبات وتجنب مزالق طريق الانحراف العقائدي والأخلاقي بالصبر والتحلي بالهمة العالية.
وحينما نقرأ سيرة أصحاب الأنبياء والأئمة العظماء المجتبين نجد أنهم ما نالوا تلك المراتب العالية لمجرد تمسك صوري بالنهج القويم، بل كانت سيرتهم الخيرة حمل راية إصلاح النفس وهداية الناس، وقد واجهوا في سبيل ذلك التكذيب والتخوين وقذفهم بالشائعات وتخريب السمعة بالافتراءات، فضلًا عن المواجهة العدوانية بالبطش ومختلف صنوف الضرب والأذى، فما زادهم ذلك إلا إيمانًا بقضيتهم التبليغية ولم يزحزحهم عن الحق قيد أنملة.
وبلوغ المراتب العليا من المسير الأخلاقي والولائي لا يخلو من مختلف العقبات وصنوف الابتلاءات، وكلما ارتقى المؤمن درجة ازدادت عليه الضغوط ليبان صدق تمسكه وحبه لأوليائه.



