13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

بين تخطيطك وإرادته تعالى

هل فكرت يومًا ما في تحقيق مشروع يحمل شيئًا من طموحاتك، فاحتضنته بشيء من جهدك ووقتك منتظرًا لحظة بزوغه على أرض الواقع؟

نعم، ولكن كانت هناك مفاجأة أو حدث لم يكن بالحسبان وقف كعامل معيق يعرقل هدفك ويبعثره، أفلا يثير ذلك في نفسك شيئًا من جهة تكامل تخطيطك وإتقانك لتنفيذه من جهة، ومن جهة أخرى هناك قوة أكبر تأثيرًا من إرادتك لم تتوافق معها وسارت باتجاه مغاير!

هذه الحادثة المتكررة في حياة كل واحد منا نريد أن ننظر لها من عدة زوايا: الجانب العقائدي والجانب النفسي والجانب الأخلاقي، فالأول يشير إلى عامل من عوامل إثبات وجود الله تعالى كقوة مهيمنة على مقاليد أمورنا ومحركة لها باتجاهات قد تتوافق مع رغباتنا فنفرح بذلك، وتارة أخرى تناقض وتخالف ما عزمنا عليه، وبلا شك أن ذلك في بداية الأمر يحزننا لأنه يمثل محطة من محطات الإخفاق التي لم يحالفنا فيها الحظ، ولكن إذا تفكرنا في ذلك بهدوء فسنصل إلى حقيقة مهمة، ألا وهي: الاستدلال على وجوده تعالى ومشيئته المسيطرة على زمام الأمور، فليس كل ما نريده يتحقق وإن أحكمنا العمل واستوثقنا عرى خطواته، ففي النهاية هناك إرادة فوق إرادتنا لا يمكننا اختراق استطالتها، مما يشي بشيء مهم يتحرك معنا في كل جوانب حياتنا وهو وجود الله تعالى ومعيته.

الجانب الثاني هو الجانب النفسي والذي يشير إلى فهم لحقيقة الحياة ومحدودية تأثيرنا فيها مهما امتلكنا من أدوات القوة والتمكين، وهذا لا يعني تراخيًا وخورًا في العزائم والهمم بقدر ما هو إعطاء كل عامل حجمه وتأثيره، فالمطلوب دائمًا السعي المثابر إذ المؤمن صاحب همة عالية يعبر عن صلابتها بالجبال الرواسي، فلا يمكن للمعوقات أن تشكل زخمًا نفسيًا يصيبه بالوهن والانكسار والهزيمة النفسية، وإنما هو أخذ بالأسباب وعمل دائب وحركات جادة في طريق تحقيق وتنفيذ وبلورة ما يصبو إليه، فخطاه لا يضع لها سقوفًا عالية حتمية التحقق والإيجاد، بل هناك توفيق الله تعالى وتسديده بعد عمل المرء، هذه الواقعية راحة وسعادة وأما الآمال الكاذبة فعيش الوهم، وهل الحالات النفسية المرضية في أحد عواملها إلا إحساس بالعجز والانهيار أمام مواقف صادمة وغير متوقعة بالبتة، ولكن المؤمن في كل أحواله يسلم بالواقع ويجعله منطلقًا لحلحلة الأمور لا أن يعيش الأحلام الوردية والأماني.

الجانب الآخر هو الجانب الأخلاقي والإيماني كردة فعل منا لرؤية المصدات غير المعلومة التي تحول بيننا وبين مراداتنا، وهذا يعطينا معرفة واقعية بأنفسنا ومحدودية اختياراتها أمام حكمة القوة المهيمنة على الكون وما فيه، فلم الغرور و التكبر وأنت يا ابن آدم لا تملك شيئًا من القوة الضئيلة أمام إرادة الله تعالى، فمهما تعاظمت قوة الإنسان وتآزرت ظروف إنجاح مخططه فلا يمكننا الجزم واليقين بشيء أمام إرادة الله تعالى، والتي تخفى منها علينا الحكمة من نقض عزيمتنا وإرادتنا ولكننا على يقين بأن الله تعالى يختار لنا الأصلح والأفضل، ولا يوجد من بيننا من يحب رؤية الإخفاق في خطاه ولكنه التسليم للإرادة الإلهية والتي ستتكشف لنا أبعادها يوم الحساب.

خيبة التوقعات والظنون والآمال عند أهل الدنيا وعشاقها محطات حسرة وألم تنبئ عن عدم محالفة النجاح والظفر له في هذه المرحلة، ولكن أهل الحصافة وجدوا ربهم في نقض نياتهم وإراداتهم فازدادوا إيمانًا وتوحيدًا له، ولن تنكسر إرادتهم بل سيعملون على عمارة الأرض دون اعتراض على إرادة الله تعالى التي تخفى علينا في توجهاتها وتفاصيلها.


error: المحتوي محمي