وكأنه محارب في معركة لا تكافؤ فيها؛ طفل ضعيف يواجه خصمًا تتعدد أسلحته، ما بين نوبة ألم، أو ساعة تنويم، أو لحظات إعياء تتكرر.. يحاول مواجهتها متكئًا على دعاء أمه تارةً ومساندة أبيه تارة أخرى، ووسط ذلك كله المستشفيات تعجز عن تصنيف مرضه وفك لغزه، ولكن الأب لا يستسلم، فهو لا يرغب أن تكمل قطعة كبده بقية حياتها في ذات الصراع، حتى وجد ضالته في مستشفى أرامكو، فالتشخيص الصحيح لحالة طفله جاء من هناك.
مصاب بمرض فقر الدم المنجلي بنسبة 85%، ذلك المرض الدائم الذي لا شفاء منه، ولا استئصال له حيث كان بمثابة عدو احتل جسد "عادل السنونة" حتى أعياه وأنهكه، إلا أن ذلك الطفل لم يقبل الهزيمة أمامه، فانتفض واستجمع قواه ووقف وسط المعركة ليواجه ما يسكنه من آلام، وبدلًا من أن يعجزه المرض بنسبته الكبيرة، أصبح اليوم رئيسًا على مستوى المملكة لواحدة من شركات السيارات، وبعد سرير التنويم الدائم ها هو الآن يحجز مقاعد سفره في درجة رجال الأعمال بالطائرة.
الحكاية بكل تفاصيلها رواها في أقل من 20 دقيقة، خلال اصطحابه لنا في رحلة عنونها بـ"ألم وأمل"، منطلقًا من حكاية الطفل عادل، إلى تفوق رجل الأعمال السنونة.
البداية كانت لطفل تنتابه تشنجات ألم مرير، لا طبيبًا يعرف ولا أشعة وفحوصات تشخّص، يتنقل بين المستشفيات بيد والده، وبين العشابين والعطارين؛ لعله يجد دواءً لصغيره الذي يعتصر الألم جسده النحيل.
قصتي مع المرض
يروي السنونة قصته مع مرض فقر الدم المنجلي قائلًا: "لم يكن مرض فقر الدم المنجلي معروفًا في المنطقة، ولم يكن هناك تشخيص محدد له، وكانت الناس تلجأ للعلاجات الشعبية، وقد مررت بمراحل كثيرة حتى إنني سافرت إلى الهند بحثًا عن علاج، إلى أن تم تشخيصه في مستشفى أرامكو على أنه مرض فقر الدم المنجلي بنسبة 85%".
النسبة تلك تسببت في دخوله العناية المركزة أكثر من مرة، كما نقل له الدم أكثر من مرة، خاصة في فترة الدراسة، وكلما كبر كلما زادت النوبات، حتى إنه لم يكن يستطيع الحركة، فقط الصراخ من شدة الألم، الألم الذي يصفه السنونة بأنه يعادل بحسب تقدير الأطباء ألم التعرض لعشرة كسور، بل إن البعض يرى أن ألم فقر الدم عندما تكون النوبة حادة هو أقوى ألم في العالم.
حرمان الطفولة
الألم كان مضاعفًا، بالمعاناة النفسية بسبب عدم تفهم بعض المعلمين الذين كانوا يوصون الطلاب بالابتعاد عن عادل -حسب قوله- لأنه مريض فقر دم، وكأنه مرض وبائي! ناهيك عن نوبات الألم في ليالي الاختبارات.
يروي أحد تلك المواقف التي تسكن ذاكرته بقوله: "إنه في إحدى المرات اضطر الوالد لأن يصطحب المدرس ليجري لي الاختبار في المستشفى".
ويضيف: "كان والدي حريصًا على تحصيلي الدراسي، وكان دائم التشجيع لي وتحفيزي لمواصلة دراستي وكان يحلم معي بأن أصبح ذا شأن في المجتمع، فليس معنى أنني الوحيد في العائلة المصاب بمرض فقر الدم المنجلي أن تتوقف الحياة بي عند هذا الحد، وكان هذا أكبر حافز لي، أما الوالدة فكانت تعتصر ألمًا على ولدها الذي ينام دائمًا في المستشفى".
الأب السند
نوبات طويلة ومتتالية من ألم المرض، ونوبات أطول من السخرية أحيانًا، وتجنب طفل مصاب بالمرض أحيانًا أخرى، طفل محروم من الانتقال إلا إلى المستشفى التي أصبحت بيته الأول، فلا سفر ولا أصدقاء، ولا طفولة مثل سائر الأطفال.
إن الحكاية لا تتوقف عند هذه المحطات الدرامية المتتالية، فدائمًا هناك بصيص أمل وإشراقة نور لمن يفتشون عنه، وكان هذا النور في حياة عادل السنونة يتمثل في شخص والده، الذي يقول عنه وعن دوره المتواصل في حياته: "الوالد - الله يحفظه - كان أكبر مساند لي، كان ملمًا بوضعي الصحي، وفي الوقت نفسه لا يحرمني من العيش حياة طبيعية، وفي الأوقات التي كنت أقضيها في البيت كنت ملازمًا له، ألاحظه وهو يجري إصلاحات الكهرباء والتليفزيون، وكان يحفزني لمتابعة البرامج الثقافية الهادفة، حتى إن كنت لا أفهمها، لكن كنت أتابعها، وأعتقد أنه من خلال هذه البرامج بدأت تتضح ملامح أمنياتي للمستقبل، وماذا أريد أن أكون".
أول وظيفة
يستحضر عادل التحدي فيقول: "واصلت طموحي بدافع إثبات الذات، ولأثبت لمن كانوا يستهزئون بحالتي أنه يمكنني التغلب على الألم وأن أكون شخصًا نافعًا للمجتمع، وبتحفيز متواصل من الوالد، التحقت بمعهد الإلكترونيات بالقطيف، ودرست فيه "حاسب متميز"، وكان تقديري بعد الأول بفارق درجة بسبب نوبات المرض، وكذلك درست اللغة الإنجليزية".
وتابع: "برعت في الإلكترونيات وتفوقت فيها لدرجة أذهلت كل من حولي، والتحقت بوظيفة فني إلكترونيات بأرامكو في الظهران أما المرض فكان مرات يغيب، ويتركني أعمل بأمان، ومرات يداهمني بشدة، لدرجة تجعلني أتغيب عن العمل لأكثر من أسبوع، ورغم تفهم رؤسائي لطبيعة مرضي، إلا أنني كنت أخاف أن أفقد هذه الوظيفة، وكنت أثبت تميزي فيها يومًا بعد يوم، حتى ترقيت من فني إلى قائد فريق، وهكذا كان الحال في كل منصب أنتقل إليه، مما كان يثبت عزيمتي أكثر فأكثر".
تجربة دواء
لم يكن عادل بعيدًا عن أي أمر يدفع به للأمام، ولكنه كان يقذف بنفسه لتجربة كل ما هو جديد، ليس على مستوى العمل فحسب، ولكن على مستوى الدواء أيضًا، حتى قبل أن يكون خاضعًا لتجربة دواء جديد، ويسرد هذه التجربة فيقول عنها: "اقترح عليّ أحد الأطباء المعالجين تجربة دواء جديد لمرض فقر الدم وهو "hydroxyurea"، وكان وقتها تحت التجربة، ورغم ذلك وافقت، فتغيرت حياتي تمامًا بعد استخدام هذا الدواء، وبالاستمرار عليه، تحسنت أوضاعي الصحية بشكل غير مسبوق، وبدأت أفكر في الزواج، ووقتها لم يكن فحص ما قبل الزواج إلزاميًا، ولكني أصريت على إجراء الفحص، حتى لا تتكرر معاناتي مع أحد من أولادي".
فرصة جديدة
محطة جديدة ومختلفة في حياة السنونه كانت بانتهاء عقده مع أرامكو بعد أربع سنوات من العمل، وكانت المفاجأة كما يقول: "عملت بشركة سيارات، ورغم أن السيارات كانت مجالًا جديدًا بالنسبة لي، لكن العمل بحد ذاته يطلق روح التحدي بداخلي، فبدأت لا أتحدث عن مرضي، وكنت أبذل قصارى جهدي وأعطي كل طاقتي للعمل حتى أكثر من الأصحاء، وتنقلت من شركة لأخرى، حتى عملت بالشركة الحالية - وهي شركة سيارات أيضًا - بدأت فيها كموظف، ثم مشرف، ثم رئيس للشركة على مستوى المملكة، وانتقلت معها من سرير العناية المركزة إلى صالة رجال الأعمال بالمطارات، وكأني كنت أثبت لنفسي ولكل من كان يتساءل ساخرًا؛ "ماذا ستعمل عندما تكبر؟"، وهذا فضل الله علي".
ويضيف: "الحمد لله أنا الآن أعمل في وظيفة مرموقة، وما زال طموحي متدفقًا ولا يتوقف عند حد معين، وحالة التميز ترتقي، وأطمح أن أكون في وظيفة أعلى.
ويعود بذاكرته إلى أول مقابلة عمل له في أرامكو عندما سأله المدير الذي كان يجري معه المقابلة الشخصية ما هو طموحك؟ وبعد لحظة صمت، قال له: لابد أن يكون لك طموح، فما هي الوظيفة التي تطمح لشغلها مستقبلًا، فكانت إجابة السنونة: «طموحي أن أجلس مكانك».
ويستطرد: "كنت قبل أن أفكر في الراتب وطبيعة العمل، أفكر فيما سأنجزه وما هي البصمة التي سأتركها، وأن أثبت للمجتمع أن مريض فقر الدم ليس عالة عليه، بل إنه يستطيع أن يصل، وأن يخدم مجتمعه، وهناك كثيرون من المرضى وصلوا إلى مناصب عليا في الطب والهندسة وغيرها من الوظائف".
رسالة تحقق
ولا يتوقف السنونة عن التحفيز ووصل به الحال إلى أنه يريد مساعدة غيره ممن يعانون المرض، ويقول: "الرسالة التي أريد أن أبلغها للمجتمع عامة ولمريض فقر الدم خاصة؛ هي أنك تستطيع أن تكون فاعلًا في المجتمع، منتجًا، متقدمًا في أي من مجالات الحياة، فالحالة الصحية رغم المعاناة والألم إلا أنها ليست عائقًا، فالعائق الحقيقي هو التفكير والإرادة، أما الاستسلام للمرض فهو المرض بحد ذاته، فلا تترك نفسك أسيرًا له".
قناة السنونة
ويروي أنه حاول أن ينقل قصته وكفاحه وما مر به من تجارب عن طريق التثقيف الطبي ولكنه لم يفلح، وكذلك مع الجمعيات الخيرية، وأمنية حياته أن يعمل في التثقيف الطبي لمرضى الثيلاسيميا وفقر الدم.
ويقول: "هواياتي ما زلت أمارسها فشغفي بالتكنولوجيا لا يتوقف، وأحاول أن أبث الأمل وروح التحدي والمثابرة من خلال قناتي على اليوتيوب Sanoonah Source".
ويختتم حديثه بأن هذه رسالة أمل لطفل كان كل أمله أن يلهو قليلًا ولكن كل ما حوله كان يشفق عليه وعلى مستقبل مظلم، تحول بفضل الله ثم بمثابرته إلى شخصية منتجة ناجحة يتنقل بين بلدان العالم ويتلقى كل الاحترام ممن حوله، وبداخله يقين بأن الله سبحانه وتعالى مازال يعطيه ويعطيه.



