مع كلِ فقدٍ لعزيز تنتابنا حالة من الذهول ويستبد بنا الحزن، وكأننا أمام تجربة جديدة لم نألف لها سابقة في أيام حياتنا الماضية.
تداعت هذه الصورة أمامي وألحت عليَّ بكثافة لم أعهدها من قبل عندما صدمني نبأ الرحيل المفجع والمفاجئ للابن العزيز الشاب الصالح الشيخ رضا الصغيّر "رحمه الله تعالى".
شاب في مقتبل عمره اختار الهجرة إلى طلب العلوم الدينية، ونأى بنفسه عن كل ما يتوق إليه أترابه من متع دنيوية، انقطعت أخباره إلا من خاصته والخُلص من أصدقائه والمقربين وهم قلة لا يتجاوزن عدد أصابع اليد.
موجة من الحزن خيمت على مسقط رأسه جزيرة تاروت خاصة والمجتمع الإيماني والوسط العلمائي في القطيف بشكل عام، تزامنت مع وصول نبأ الوفاة المروع، إضافة إلى سيل من المشاعر والعواطف الصادقة صاحبت مجالس العزاء!!
في العادة يكون مثل هذا التفاعل الكبير مع الشخصيات الدينية والاجتماعية ذات الثقل العلمي والحضور الاجتماعي الفاعل والمؤثر، غير أن حالة "رضا" الشاب المغمور اختلفت في اتساع دائرتها وعمق التأثر بها والتفاعل معها.
في مواسم الجدب والجفاف تتسمر أنظار الناس أمام منظر غيمة تحلق فوق رؤوسهم فيبدو المنظر استثنائيًا وغير مألوف!
وعندما يسافر الماء ويحتل الظمأ كل مساحاتنا، يعيد الناس اكتشاف طعم الماء الذي فقدوه!
وكذلك تكون قيمة الضوء عندما يستبد الظلام ويهيمن بقوة على كل المطالع حولنا!
هكذا تبدت سيرة "رضا" ومسيرته لحظة تسامع الناس خبر رحيله واستطلاع أحواله، أشبه بنبع ماء تفجر في موسم جفاف روحي، وحزمة ضوء سطعت وسط سواد حالك.
ثمة شاب مقبل على الحياة يمتلك كل المقومات والمؤهلات التي تجعله يعيش حياة رغيدة ينعم فيها بمعطيات الوظيفة التي صرف سنوات من عمره للوصول إليها، فيدعَ كلَ ذلك، ويعيد نفس الحلم في مسار مختلف تماماً، ويختار أن يبدأ من جديد ليمشي في طريق شائك طويل!
هي ذات الحالة التي يعيشها الأولياء وذات اللحظة التي تشرق شمس المعرفة على قلوب العارفين فتصعقهم ويتحولون إلى صنف آخر لا يعرفهم الناس وصفهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بقوله: "هَجَمَ بِهِمُ اَلْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ اَلْبَصِيرَةِ وَ بَاشَرُوا رُوحَ اَلْيَقِينِ وَاِسْتَلاَنُوا مَا اِسْتَوْعَرَهُ اَلْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْهُ اَلْجَاهِلُونَ".
الغربة وقساوة الحياة وجشوبة العيش والنأي عن الوطن والأهل لغرض الوصول إلى مقام روحي يروي عطش الروح الوالهة، تحديات لا تتوافق مع تطلعات هذا الجيل ومعطيات هذا العصر المناهضة في أغلبها لقيم الروح وسمو المعنى، كما أنها أضحت بضاعة خفت بريقها، وفقدت من يسوق لها ويروجها هذه الأيام!!
"رضا الصغيّر" كان مشروع فقيه وفق رؤية عارفيه ومتابعيه الواثقين بقدراته الفكرية وملكاته الروحية، غير أن القدر كان أسبق إلى إجهاضه وتغييبه، فكان كما قال ابن الرومي:
على حين شمتُ الخيرَ من لمحاتهِ
وآنستُ من أفعالـــه آيةَ الرشد
طواهُ الردى عني فأضحى مزارهُ
بعيداً على قرب قريباً على بعد
لقد أنجزت فيه المنايا وعيدَها
وأخلفت الآمالُ ما كان من وعدِ
في الفهم الديني لا تتحدد قيمة الأشخاص والمشروعات بضخامة الإنجاز والوصول إلى نهاية الشوط، وإنما بنقاء الدوافع وطهارة المقصد وموضوعيته وتجاوزه حدود الذات الضيقة المعبر عنها بـ "النية الصادقة المخلصة"، "وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا".
على صعيد الآثار الغيبية والعطاء الإلهي هناك ما لا نعلمه ونحيط به أو ندرك بعضه، أما من حيث النتائج العملية والآثار الاجتماعية للتجربة الرضوية المباركة، فإن العمل الإلهي لا تقاس نتائجه وآثاره بمقدار المكاسب والعوائد التي يجنيها العامل نفسه، فنتصور خطأ موت التجربة وانتهائها بموت صاحبها، وإلا لماتت كل الرسالات والشرائع التي جاء بها الأنبياء والرسل وضحى دونها الأولياء العظماء ولم يشهدوا نتائج سعيهم أو يحتفلوا بإنجازاتهم!
قد يموت الرسول جسما ولكن
بالرسالات يستمر الرســـول
"رضا" لم يصل لنهاية الشوط غير أنه وفق لإنجاز تجربة رائدة ورائعة ستظل ملهمة وقائدة للسائرين في هذا الطريق القادمين من رحم الغيب، وستكون بمثابة ضوء يشرق من بعيد يقودهم إلى كمالهم ورشدهم المادي والمعنوي، لتكون ذكرى "لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ".



