12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

امرأة تسكنها الحرية

في ليلة ينام البدر في حضن السماء والبعض يبحث عن حضن غائب، حيث أيقظني الفجر بعد ليلة صاخبة من التفكير، أحاول الليلة أن أكتب حرفا، ليلة واحدة لا تكفي لأتحسس مشاعري,، أتعجل النهوض باكرا وأستقبل طلوع الفجر ويا لروعة فجري إنها ساعة الطهر، لا موعد مسبق للكتابة بل تعترضني وأحيانا تهاجمني بقوة، دعني يا عزيزي القارئ وبرشاقة اللغة وبصدق الحس أكتب، أرى الكتابة عنوان وجود وهوية تحول، والإنسان لا يكون عميقا إلا بها ولعل بعض الكتابات قد حفزت مخيلتي، رغم أن البعض نبهني إلى أخطائي اللغوية وهناك من يتعمد فضحي، وأنا هنا ألمح إلى أن كلماتي تبدو خجلى قبلي، وما دمت أحب القطيف جدا فهي حبيبتي التي تغار منها حتى نفسي وروحي، وهكذا أجد بيئتي المتواضعة قد شكلت لي مخزونا هائلا من الحكايات والقصص والطقوس، التي أنثرها هنا بين حين وآخر.

منذ فترة وبعد تقاعدي من شركة أرامكو، كان لدي عصفور في بيتي يملأ علينا نغمات رائعة، تكسر بوتقة الصمت الخانق فما رأيك أن تجرب وجود عصفور في بيتك، لعل صوته قد يداوي جروحا في قلبك، وأكيد أنت يا سيدتي حرة في قرارك، وهنا ستبدأ الحرية تسكنك بطريقتك أنت لا أنا!

ومنذ فترة أيضا لم أكتب رسائل ربما لأن جدواها لم يعد ممكنا للأسف، وربما لأن الذين اعتدنا مراسلتهم ما عادوا هنا الآن، أو ربما ما عادوا ينتظرون رسائلنا! ولن أقول لك عزيزي القارئ إنني في لحظة كتابة هذه الأسطر الانكسار يصدع داخل روحي..

دعوني أتساءل كيف لنا كبشر أن نحلم بمجتمع راقٍ ونحن نعمل على إقصاء الكائن الداخلي الروحي الكامن فينا؟ دعونا نحترم الكون ونحترم الطبيعة ونحترم البشر ونحترم ذواتنا بكل أبعادها ولكن، قبل هؤلاء دعونا نحترم حرية المرأة وحينها سنحترم حرية أرواحنا، دعونا نفتح أفاقا غير محدودة للمحبة والتسامح والاعتراف بحقوق البشر، حتى نحيا مع حرية المرأة بسلام وانسجام، علينا ألا ننسى الإنسان رجلا كان أو امرأة فهو إنسان ينتمي إلى الكون، وقوام ذلك روح التواضع ومشاعر الود والاحترام.

عانت المرأة منذ زمن بعيد من التهميش وعدم إعطائها الدور، الذي يتلاءم مع إمكانياتها وقدراتها التي تؤهلها لأن تكون نصف المجتمع، مما دفع الكثير للوقوف بوجهها، إن أزمة الحرية لدينا ترتبط وقبل كل شيء بالوعي، وكنا لا يمكن أن نتحدث عن حقوق المرأة في مجتمع تغيب عنه حريتها وأبسطها حقوقها، وأقول صادقة فالمرأة إن لم تتحرر من الداخل وتعي أبعادها، فإنها ستبقى تابعًا للرجل من ناحية الرمزية والمعنوية، ولن أنوه عن الناحية المادية أو السياسية ولا حتى الاجتماعية.

يعتقد البعض أن المرأة تكون حرة فقط عندما تصل إلى مركز القرار أو قريبة منه، ولكن أزمة حرية المرأة هي أزمة حرية الإنسان، والإنسان لا يكون حرًا إذا استعبد غيره، فليس من حق الرجل استعباد المرأة، كما أن حرية المرأة لا تعني استعباد الرجل، إذن لابد من الخروج من دائرة العبودية التي تكرس ضد البشر، فحريتي كامرأة ترتبط بحريتي كإنسانة وهي عملية تربوية، تحتاج إلى تغيير اجتماعي وتربوي وفكري وثقافي قبل كل شيء، وما يؤسف أنه في الشرق عموما المرأة، لا تقيم ولا تقوم وكأنها نزلت فقط لإسقاط فرض "حاشا لله" إنها الأهم ولولاها لما وجد الكون، فثقافة الشرق عن المرأة منقوصة، مع أن الأغلبية من مجتمعاتنا العربية تدعي الالتزام الديني والمبدئي، وهاتين الصفتين يجب على من يحملهما أن يقدر وجود المرأة وثمرتها، إلا أن البعض يقدر هذا فقط بالادعاءات وليس بالتطبيقات.

يبقى سؤال أطرحه هنا: هل يمكننا وضع خط فاصل بين ما الدهشة لامرأة حرة في الغرب، وما يعتبر مثيرًا للدهشة لامرأة حرة في الشرق؟ والجواب: نعم؛ لأن الحرية تخضع للقيم والتقاليد والمبادئ! وفي الماضي كان ممكنًا وضع الحدود الممكنة لقيمة حرية المرأة، وهكذا لم تعد حرية المرأة في الغرب تبدو مناسبة أو أنها قريبة للحرية لدى المرأة الشرقية! فلنا نحن النساء العربيات حدود وقيود تشبهنا وتناسب بيئتنا وعاداتنا وتقاليدنا. لا عليكم من وجهة نظري فأنا امرأة لا أزال محافظة ومتحفظة، ولكني أحاول أن أستغل وأعني بكلمتي هذه مساحة الحرية الواسعة التي أتمتع بها في حياتي لأعبر عن حال لسان بعض النساء العربيات، ولكن أية قوة من الحرية في العالم لا نملك سوى العزاء في هذه اللحظة التي تعزز حريتنا، لنهدأ ونخرج ونغادر الواقع إلى واقع آخر ونطوي الزمان والمكان، ودعونا نتجاوز الأفكار والمعتقدات التي نختلف عليها ولا تنفعنا.

أعترف وعيني على الغد، ومن أجله وأجل كل امرأة تسعى أن تكون حرة من الداخل أكتب بحريتي فأنا امرأة تسكنها الحرية، أطرح رسالتي هذه لمن لا تملك الإرادة المدفونة وتقول: أنا امرأة حرة وعندي الإرادة أن أكون حرة وأستمر بما أريده، وبالشكل الذي أريده لا تملق لجهة ولا خضوعا لابتزاز ما، لأنني يا قارئ وهذه اللحظة ما زلت مسكونة بحريتي، التي تجرني إلى وجوه وقصص وجمال وخيال، بكل ما فيها من ألم وأمل وحزن وفرح، رغم كثرة كتاباتي عن القطيف مدينتي وحبيبتي، فإنها تجدد في ذاكرتي وكأنها الدنيا كلها فأكتب عنها بحريتي تلك التي تسكنني، حيث إنني أسكب حياتي في قنوات الصدق والحب، ولم يعد العمر فيه متسع وهكذا أحتفظ بنقائي الوطني ولكن بحريتي.

ما يميزنا عن غيرنا هو أننا نملك الحق في الحلم والحرية، نملك خيارات عديدة ليكون حلمنا أخضر اللون أو مخملي الملمس، لا أحد بإمكانه أن يمنعنا من أن تلبس أحلامنا اللون الذي نرغبه، وكم من امتلأت نفوسنا بلحظات الرضا والقناعة، وكم كنا فراشات تحوم حول الزهور، وهذا هو أصفى أنواع حريتي، أرجوك يا عزيزي القارئ ألا تسمح لأحد أن يكبت حريتك، أو التعدي على كرامتك فالحرية فرسك الجامحة.

ينتهي يومي بشريط من أحداث وتفاصيل وبلا قهوة الصباح، لا يهم طالما هناك حبيب في قلبي يمنحني الحب والسعادة وبفيض من الحنان، أوبخ نفسي وأنا عاجزة عن إنهاء مقالي بما يليق لكن لا ألبث أن أجد لي أكثر من سبب، مرورك أيها القارئ يرفعني لسماء الحرية، وأن تثمن وتقدر فكرة هذا المقال، وأتمنى أن نراهن باعتبارنا أحرارًا وأن نسعى للوصول للحرية، وهنا أتجرأ وأهتف قائلة: أيها الليل تنحى قليلًا نريد أن نرى ضوء الصباح، ليدرك القارئ ما قصدته هنا وإن كان أو يكون عن بُعد، واثقة أن مسافات الوصول لذلك لن تقاس بالوقت.

إلى اللقاء ومرحبًا في الوقت نفسه وسلام لأرض القطيف التي تسكن خلايا الروح والتي تشعرني أني ما زلت على قيد القطيف وسلامي على كل من يمرون بأيامي صباحات وصباحات، ولهم في القلب مساحة واسعة سعة فرحي.


error: المحتوي محمي