13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

قمر على حمَّام تاروت 6-7

مضى نصف عام وهدأ إيقاع الكلام حول رحلة القمر، أتذكر بعد انقضاء قرابة ثلاثة أسابيع على شهر رمضان وتحديداً في شهر شوال 1389 هجرية أخذتني قدماي عند "قهوة حجيرات" المبنية من جذوع وجريد النخيل، والتي تنقسم إلى قسمين؛ شتوي وصيفي، وهي من أجمل المقاهي، حيث تتوزع طاولاتها أمام فضاء مفتوح، يطل مباشرة على حمام تاروت، رأيت وقت الضحى شابين يجلسان على كرسي خشبي طويل، وهما أ. هلال حبيل، ود. أحمد الزاير، وقفت خلفهما وهما مندمجين في تصفح مجلة العربي، ويحركان صفحة إثر صفحة وشد انتباهي وهما يقرآن استطلاعًا مفصلاً حول رحلة القمر، صور ملونة جاذبة خلاف ما شهدناه في التليفزيون بـ"الأسود والأبيض".

تناقشا طويلًا، ثم تنبها لكائن متطفل دنا برأسه بينهما، ضحكا مني وقالا: "روح يا ولد"، تحركت على مضض وكأنهما سددا صفعة على خدي، داريت حسرتي بنزع ثوبي ووضعها عند دكان عمي عبد، وألقيت بجسمي في الحمام، لعل حسرة يصرفها الماء عني، تمنيت لو أعطياني المجلة لأمسكها بيدي ولو للحظات، لأشبع نهمي من الصور، لكن الشوق رماني سنة 1392 في رحاب مكتبة نادي الهدى بتاروت، رحت أفتش عن مجلات "العربي"، وإذا بالعدد أجده أمامي، طرت فرحاً، والتهمت الحروف وتغزلت في الصور، في شكل المركبة، تكوين أجزاء الصاروخ الذي انطلق، تأملت لقطات أرضية القمر، وآثار الأقدام عليها، عرفت لأول مرة لون علم أمريكا المزين بالنجوم، عشت مع ابتسامات رواد الفضاء، وتخيلت نفسي لو كنت معهم، على متن المركبة، لحظئذ لم تتجاوز أحلامي سوى السفر بالطائرة لأرى الأرض كيف تبدو من الأعلى.

وسألت نفسي عن زمن التحليق لمدة ثلاثة أيام حتى وصل الرواد للقمر، كيف أكلوا وناموا، وكيف لبوا نداء الطبيعة، أسئلة تناهت في بالي وتاهت في المخيلة، كنت مندهشاً بتتبع سطور الاستطلاع وعرفت من قام بتحقيقه هو رئيس التحرير د. أحمد زكي، مؤسس مجلة العربي منذ 58 م، شخص أكاديمي وموسوعي، ورصين الكتابة، وهو علم من أعلام النهضة الأدبية العربية، ولم يكتب الاستطلاع من فراغ بل حضر ضمن المليون شخص الذين تجمهروا لحظة انطلاق الصاروخ للفضاء، جلس وراقب من على المنصة التي أعدت للمدعوين من 80 دولة، عايش الحدث لحظة بلحظة وكتب عن أدق تفاصيل الرحلة وكأنه أحد علماء وكالة ناسا، وضمن هذا العدد المميز، احتفالية المجلة بمناسبة مرور 11 سنة على تأسيسها، وقد داومت على تصفح هذا العدد مراراً وتكراراً كلما أتيت للمكتبة، لدرجة تمزق الغلاف من يدي العابثة، ربما فضول للمعرفة، وقد جاء في الاستطلاع المصور: "العنوان: أول إنسان دقت قدماه سطح القمر، وتفقدوه فوجدوه: خلاء، وفراغاً، وصمتاً، ووحشة رهيبة مديدة، فوق تراب وحجر"، وجاء في المقدمة ".. وعامنا هذا المنصرم، عام 1969، لا شك قيده المقيدون في التاريخ بين تلك السنين ذات الأحداث الكبيرة، ويكفيه خطراً أن الذي حدث فيه، فوق أنه لم يسبقه حدث مثله في تاريخ الإنسان، فهو حدث لا يرتبط بعلاقة الإنسان بالإنسان، ولا علاقة الإنسان بالأرض، والأرض بالإنسان، ولكنه حدث خرج عن هذه الكرة الأرضية اتصالًا، إنه أول وصلة للإنسان بالسماء، وهي ليست وصال فكر، ولا وصال خيال، ولكن وصال أقدام، قدم الإنسان دقت سطح القمر، فلو أن للقمر روحاً لذعر، فهذه أول مرة، منذ الخليقة، يحس القمر بأن على سطحه شيئاً يجري له روح، وهو ما عرف قط الروح، ما عرف ما الحياة، وقد حرمه الله مقومات الحياة جميعاً، إن نزول الإنسان على القمر حدث من أحداث الدنيا عظيم، ولعله، فيما بين الإنسان والطبيعة، هو أكبر حدث عرفه الإنسان إلى الآن، إنه باب السماء انفتح، ومن يدري فقد تفتح للسماء من بعد هذا الباب أبواب".

إنه استطلاع مطول بلغ عدد صفحاته 30 صفحة، جاذب ومفصل عن مجريات الرحلة كاملة ومزود بكثير من المعلومات وتنوع في الصور وشرح مستفيض، ويحمل العدد رقم ١٣٤- شوال ١٣٨٩ هجرية -يناير(كانون الثاني) ١٩٧٠ ميلادية.

اقتنيت العدد فيما بعد، إذا حصلت عليه من بائعي الكتب والمجلات القديمة عند سور الأزبكية في وسط القاهرة سنة 1986م، وبينما أقلب صفحات العدد بتدوين هذه السطور المتتابعة، برقت عيناي بدمع وأنفاسي بآهات، في هذه اللحظة دخل ابني محمد إلى مكتبتي وهو يبتسم سألني: "ما بك يا والدي كأنك مشغول ومهموم"، قلت له: أكتب سلسلة بمناسبة مرور 50 عاماً على صعود الإنسان للقمر، راصداً انطباعات مجتمعنا في ذلك الوقت وردات الفعل بين القبول والرفض، أسرد ذاكرة أجيال بعضهم قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومسرح الحدث حمَّام تاروت، وما جاوره، وأحاول أن أسترجع ما رأيت وما سمَعت بحضور المكان الشاهد على ما جرى، وما بك كأنك تبكي، قلت له أبكي عمراً وزمناً جميلاً ولى، لم يبق منه شيء غير الذكرى وبقايا صور.


error: المحتوي محمي