13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

قمر على حمام تاروت 4-7

صباح يوم حار دلفت إلى دكان جعفر الخباز أنتظر دوري لشراء الخبز، حيث يطول الانتظار، وهذا حال كل يوم، وجوه المنتظرين تتبدل مع انفعالات الجدل الدائر حول الصعود للقمر، بينهم رجال متنورون يشيدون بالمنجز العلمي الأمريكي غير المسبوق في تاريخ البشرية، قال أبو (......) ذو الميول اليسارية، وهو مثقف ومطلع ومن أوائل المتعلمين في البلد: "ليس صحيحًا أنهم ذهبوا للقمر، هذه ألاعيب إمبريالية، وكل ما عرضوه مجرد مشاهد تمثيلية في استديوهات هوليوود، يريدون فقط أن ينافسوا السوفييت بأي طريقة اللي سبقوهم في اكتشاف الفضاء من سنة 58، طلعوا اسم "أرمسترونج" ولا طلعوا الاثنين اللي معاه حتى يغطوا على اسم "يوري غاغارين" أول رجل فضاء في العالم الذي دار حول الأرض سنة 61 البطل السوفييتي، والسؤال لماذا ما نزلوا كلهم على سطح القمر دفعة وحدة أو طلعوا اسم الجميع اللي كانوا في المركبة الثلاثة، روجوا لاسم واحد فقط، مادام شهرة غاغارين مغطية الآفاق فهم أرادوا واحد أمريكي يفوقه شهره، يعني واحد مقابل واحد، هذه لعبة سياسية من الأمريكان ويريدوا بعد إشغال مجتمعهم وجيشهم لتعويض هزايمهم في حرب فيتنام، وصراحة هي حرب باردة وجديدة بين القطبين، باسم العلم، لكن لا أنفي أن لديهما علومهما في الفضاء ومحولات متكررة لغزو القمر، لكن مسألة النزول وفي هذا التوقيت أستبعدها تمامًا، يمكن في المستقبل يوصلوا".

والمفارقة العجيبة أن الكثيرين في أنحاء العالم متعلمون وإلى اليوم غير مصدقين، ويعتقدون أن رحلة الصعود للقمر هي كذبة كبرى؟!

بعد هذا الحدث الذي شغل الناس حينئذ مر أسبوع، رأيت في ليلة مقمرة صورة القمر منعكسًا على سطح حمام تاروت، نزلت بهدوء وأخذت بكفي ماءً مع صورة القمر، وناديت على أصحابي؛ ها هو القمر بين يدي من يريد منكم أن يصعد للقمر، ينزل الحمام، نزل اثنان وبقي واحد في الأعلى يرقب المنظر، تناوبنا على أخذ القمر بأيدينا، وتسابقنا من هو الذي يبقي الماء وانعكاس صورة القمر بين راحة يديه لمدة أطول، ارتسام الصورة أخذ أكبر مساحة من راحة أيدينا، زميلنا الذي ظل واقفا يرقبنا نزل في الجهة الجنوبية للحمام المخصصة للشباب، وهي المنطقة الأغزر عكس الجهة الشمالية ليست عميقة، فهي تناسب عادة الأولاد الصغار، وقال لنا: ها أنا ذا حملت القمر مثلكم، قلنا له: كيف؟ كم قمر عندنا؟ جاوبنا عمي "عبد علي" من دكانه الصغير المطل على الحمام مباشرة، وقال: "يا أولادي لو ذهبتم خطوات إلى عين العودة أو لرملي أو الحلقوم، أو الطرفاية، أو عين العوينة، أو عين هرهر، ستشاهدون نفس صورة القمر منعكسًا على سطح الماء في كلهم"، تعجبنا من هذا الكلام.

طوال حديثنا استرق السمع رجل يتحمم بالقرب منا منهمكًا بحلاقة ذقنه، ذو توجه بعثي، ينظر في المرآة، واضعًا على درج الحمام (تريك) للإضاءة، يسحب موس الحلاقة بيده للأعلى والأسفل وقطرات دم تسيل على خده، نظر إلينا وخاطبنا بلطف: "أتمنى أن أشوفكم في المستقبل تكونون رجال فضاء تفيدوا أمتكم العربية، وهي ذات رسالة خالدة"، ضحكنا من أمنيته التي لا تصدق.

مشاهد لم تبرح الذاكرة مر عليها خمسون عامًا، وأتساءل بعد هذا العمر؛ كم رائد عربي غزا الفضاء سوى اثنين، الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز عام 1984م، والسوري محمد فارس عام 1987م، الأول صعد بمركبة فضاء أمريكية والثاني بمركبة سوفيتية، هل كان الأمر خدمة لنا أم سباق علم أم منافسة بين قطبين، لست أدري، والحق يقال لكل منهما له جهوده الناجحة والجبارة في علوم الفضاء واكتشافات القمر.

وقد أرعبت أمريكا السوفييت مطلع الثمانينات بحرب النجوم، وكلفته مزيدًا من سباق التسلح فاهتز اقتصادها الاشتراكي، وانهار الاتحاد وتفكك مطلع 1991م، مع أسباب أخرى.

واتضح فيما بعد أن حرب النجوم وهم، مجرد خدعة.

هل حكاية الصعود توازي تلك الخديعة أم العقول النيرة تيقنت من أمر النزول على سطح القمر.


error: المحتوي محمي