ورد عن الإمام الصادق (ع): "إنّما سُمّيَت مَكّةُ بَكّةَ لأنّ النّاسَ يَتَباكّون فيها - أي يزدحمون" (علل الشرائع ج 1 ص 397).
التوفيق إلى الذهاب إلى البقاع المقدسة من الأرزاق التي يكتبها (سبحانه وتعالى) لعباده المؤمنين، فدعاؤهم على وجل من القلب أن يدفع عنهم كل الموانع والعقبات التي تحول بينهم وبين هذا الخير العميم، وحرص المؤمن على أن يكون من وفد حجاج بيته الحرام الذين قدرهم (عز وجل) في ليلة القدر يعني همة وعملًا على التجلبب بالتقوى ودحر الشهوات، فهذه النعمة الربانية تقتضي شكرًا لا يكون باللسان فقط، بل بأداء حقها واكتساب فوائدها وغاياتها، فما يطلبه ليس بتحرك الجوارح وتأدية صورة الحج، بل هو حج الأبرار الذين يرجعون إلى ديارهم بصورة مغايرة قد سمت في أفق القرب من الله تعالى.
أداء مناسك حج بيت الله الحرام ضيافة عند الرحمن طلبًا لتلك النفحات والهبات الخاصة بتلك البقاع المقدسة، يقبل المرء مثقلًا بالأوزار وهم التقصير وراغبًا في التخفف منها وفي التغير الإيجابي، يحيا ذاك الشعور بعظمة المضيف وآداب تلك الزيارة الخاصة بما يتناسب مع مقام المولى الجليل، فما أجمل استحضار هذه المنزلة التي حظي بها لينطلق بعدها في دروب الحياة وقد رق قلبه ونضج فكره، فجعل همه الأوحد رضا الله تعالى في كل ما يقدم عليه، فمن تفكر وتأمل في هذه الرحلة المقدسة (الحج) سيجدها ملأى بالدروس والعبر الكثيرة، وبالتأكيد سيقدم على الديار المقدسة وهو مهيأ ومستعد لتحمل أعباء هذه الضيافة الخاصة وأهمها الورع عن محارم الله تعالى.
الازدحام في الحج ليس أمرًا عبثيًا بلا مقصد وإلا لم يجعل سبحانه لهذا المنسك ميقاتًا زمنيًا خاصًا بل لجعله في أي شهر من السنة، وهذه المضاككة توحي بدرس مهم ألا وهو الصبر وتحمل المشقات والمتاعب في طريق تحقيق الغاية، وهكذا هي الحياة في تشعباتها لا يبلغن أحد منها المجد والسؤدد إلا بروح التحمل ومواجهة التحديات، فلا وجود للتكاسل والأحلام الوردية والطرق المفروشة بالحرير في حياة عباد الله.
وأمر ثانٍ يوحي به هذا التدافع؛ ألا وهو الخوف من الله تعالى بالتعرض لعباده في شيء من حقوقهم بالعدوان والحيف عليهم، فمع ما يلقاه الحاج من تعب وألم من ضربة غير مقصودة لكنه لا يفكر أبدًا في التجاوز على الحجاج بكلمة ولا ضرب ولا وخز حتى.
والأمر الأخير هو روح التسامح والصفح عمن أساء له أو دفعه بيده، والتي لو ساد هذا الخلق بيننا على مستوى محيطنا الأسري والاجتماعي لتجاوزنا عقبات الخلافات المستديمة والمستحكمة.



