12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سيدات من الماضي يواجهن «العوق» بـ لقمة في يد العروس ومنع المرضع من «عقد القِران»

كثيرة هي حالات الازدواجية بين ما نردده وما نؤمن به، خاصة بين طبقة المثقفين والمتعلمين، لتتلاشى الفجوة بين البسطاء، فما يؤمنون به هو ما يرددونه ويطبقونه في حياتهم، ولا عجب أن تجد أستاذة جامعية تعلق خرزة زرقاء وتحرص على ارتدائها، أو شابة جامعية تطالع يوميًا الحظ والطالع، والأقل دهشة هي عبارة "الله يفك عوقك"، تلك الجملة التي طالما تداولتها النساء، خاصة كبيرات السن، في مواجهة أي فتاة تأخر نصيبها في الزواج، أو الإنجاب، إما شفقة وعطفًا، أو تهكمًا وشماتة.

و"العَوْق" هي مفردة عربية صحيحة بمعنى الأمر الشاغل المسبب للتأخير، كما هي عائق، والتي أخذت حظها من اللهجة المحلية الدارجة، إلا أنها امتزجت في أذهان البعض بالنحس أو التطير، حتى ارتبطت بمعتقدات مست جوانب غيبية دون روابط علمية أو واقعية، كمبرر يدفع البعض منهن لممارسة طقوس غير منطقية.

ومن ذلك ما تحكيه الحاجة "أم حسين العباس" من أن البعض يعتقد اعتقادًا خاطئًا حول ضرورة عدم حضور المرضع لحفل عقد قران لئلا تصيب العروس بـ"العوق" أو النحس فتؤخرها عن الإنجاب، وفي حال حدث ذلك فيتوجب على المرضع أن تضع في يد العروس لقمة من الطعام، وتبادلها الأخرى بالمثل لئلا تُعاق.

وقالت: "هذه القصة ليست الوحيدة، فالمجتمع مليء بالمعتقدات، خاصة تلك المرتبطة بالعذرة ليلة الزفاف، ولا يزال البعض يُصر عليها ويتطير من عدم تنفيذها، ويربط أي حدث يصيب الزوجين بها".

أما ابنتها "أم محمد الرميح" فتوضح أن السيدات كن يتخوفن قديمًا من الجمع بين مجالس التعزية، ومجالس التباريك بقدوم مولود، أو زواج، خشية أن يصبن بمكروه أو ضر، وتلك اعتقادات لا أصل لها بحسب قولها.

ومن الإحساء تؤكد "أم قاسم العوفي" أن هذه المعتقدات أخذت مكانها بالإحساء كذلك، فالعروس الجديدة لا يحق لها حضور محافل الزواجات إلا بعد تجاوز مدة الـ 40 يومًا، خشية أن تصاب العروس الجديدة بتأخر الحمل، وفي حال تزوجت ابنتان في ذات الليلة وحملت إحداهن وتأخرت الأخرى فمن الطقوس أو العلاجات المأخوذ بها لدى بعضهن أن يؤخذ من "بول" الحامل ويكب على المتأخرة دون علمها، أو من أرملة لم تخرج من عدتها.

فتش عن الجهل
هذه الاعتقادات والطقوس تضعها الاختصاصية الاجتماعية عقيلة آل حريز في خانة "الجهل"، وتجيبنا بأنه ذات الجهل الذي جعل الناس منذ القدم يعبدون الأصنام والأحجار والأشجار ويؤمنون بالخوارق، لكونهم اعتقدوا فيها اعتقادات مبالغة.

وأضافت "آل حريز" أن الصحة العقلية هي أساس تقدم البشر وتقدم المجتمعات، وهذه الصحة تتحقق بقبول كل ما هو منطقي، والتحرر من أي أفكار باطلة ليست صحيحة، فلجوء الإنسان للبحث عن المجهول ومحاولة معرفة مستقبله أو تغييره وتحسينه، هو ما يدفعه لتصديق الخرافات والأساطير، التي في الغالب تقع خارج دائرة قبول المنطق والعقل السليم، فالجهل والقصور العقلي في التفكير بمستويات أعلى سواء من قبل الفرد أو الأسرة أو المجتمع الذي يعيش فيه، خاصة حين يولد في مجتمع يؤمن بالخرافة والسحر، ويعتقد جازمًا بأنها حقًا مؤثرة، وأن الخوارق تحدث ويشعر بالخوف من عاقبة الأمور فيها.

وأوضحت أن الإنسان البسيط الذي لا يجد من وسائل العلم الحديثة التي نعيشها الآن ما يفسر له كل ما يتعلق بالظواهر الطبيعية المحيطة به أو ما يعرض له من عوارض متعلقة بجسمه، يميل إلى إيجاد تفسير غيبي يركن إليه ويقتنع به، فالمعتقدات أو "الخرافة" تنتشر كلما قل المستوى المعرفي والثقافي لدى أبناء المجتمع، فمصدقها يلجأ بالعادة إلى إحالة مشكلته لقوى خفية تسانده في ضعفه وتخفف من هواجسه حيالها، لذا قد يشعر مستخدمها براحة نفسية وهدوء نسبي، ويجد ما يعلق عليه عجزه.

موروثات محظورة
وبيَّنت "آل حريز" أن الخرافة هي الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مجرد تخيلات دون وجود سبب أو تفسير علمي أو منطقي مبني على أسس العلم والمعرفة السليمة، والعقل البشري يميل إلى البحث دائمًا عن كل ما هو غيبي ومجهول، فيلجأ كثير منا ربما بحركات لا إرادية إلى تصفح صفحات الأبراج ومعرفة الطالع والحظ لهذا اليوم، وهناك معتقدات راسخة في الأذهان منذ الولادة، ومن بينها أننا نلجأ إلى الطرق على الخشب لإبعاد الحسد عن أنفسنا أوعن أبنائنا كمثال، أو مثال العوق وسبب تأخر الإنجاب وطرق معينة يصنعونها كالارتباط بحلقة معينة وغيرها، اعتقادًا منهم أنها سبب لفك العوق أي تأخر الإنجاب أو سبب تأخر الزواج أو جلب النحس وخلافه.

وحذرت من خطورة الانجراف وراء الخرفات، فبسببها قد تزهق الأرواح وتضيع الحقوق والأموال وتنتهك الحريات والكرامات والحرمات، بسبب اعتقاد الناس بها وتصديقهم لها، واستغلال البعض للأمر للتكسب وفرض السيادة والسيطرة، وليس مستغربًا أن كثيرًا من المتعلمين يميلون لتصديق الخرافات وممارستها والاقتناع بها تمامًا، فتستغرب كيف طمست عقولهم لهذا النحو، حتى أنك تتساءل: ما الذي أحدثه العلم فيهم من تغيير؟!

العقل الجمعي
وأكدت أن الاعتقادات موجودة بكل الأحوال وإن اختلفت مسمياتها وحِدتها من مجتمع لآخر ومن شخص لآخر بحسب المستوى الثقافي والاجتماعي والاعتقاد الديني الذي يتبناه، إلا أن الغالبية يخضعون للكثير من الاعتقادات بل والكثير دون أن يعي لا ينتبه لها، فنحن مجتمعات بطبيعتها تخضع لرؤية العقل الجمعي، أو لهيمنة الثقافة الجمعية، نؤمن بالحسد والعين والحظ، نتطير أو نتشاءم، ونثق في مزايا الحظ الجيد أو التعيس، وتأثير الحاسدين والنحس الذي قد يصيبنا، بدلًا من تغيير السلوكيات، والاجتهاد في تعديل العادات وتحسين خطط المستقبل، وقد نفضل ألوانًا معينة في لباسنا، أو أماكن معينة نزورها وبدايات معينة، وتعويذات وأحجار وخرزات معينة لاعتقادنا بفارقها المؤثر في حياتنا، ونمسك بالخشب ننقره خوفًا من الحسد، وبالرغم من كون هذه الأمور تبدو سلوكيات تافهة وعادية، إلا أنها قد تؤثر على كثير من اختياراتنا في العالم الذي نعيشه حين نعتقد بها، وقد نسمي كل هذه العادات طقوسًا حين نتعامل معها في حياتنا، وهي مختلفة عن الخرافة التي تعني الاعتقاد الجازم بتأثيرها فعليًا وبتركها جانبًا إيجابيًا أو سلبيًا في تسيير حياتنا.

اليقين الزائف
وقالت "آل حريز": "وبالنسبة للعديد من الناس، فإن عدم القدرة على التحكم في نتيجة شأن ما أو إدارة حدث معين يعد بالنسبة لهم أمرًا مرعبًا، وكلما عظمت أهمية هذا الأمر الذي لا يمكن التحكم فيه، كلما شعروا أن حياتهم تتشكل من خلال عوامل خارجة عن سيطرتهم، كلما أيضًا دفعهم هذا لأن يصبحوا أشخاصًا مؤمنين بالخرافات أكثر فأكثر".

وأضافت: "إذ يميل أغلب البشر للبحث عن نوع من القواعد، أو القوانين، أو التفسيرات للطريقة التي تحدث بها الأشياء من حولهم في بعض الأحيان ليشعروا بالطمأنينة، فيكون ساعتها خلق اليقين الزائف أفضل بكثير بالنسبة لهم من عدم اليقين على الإطلاق، وهذا ما تؤيده كثير من الأبحاث العلمية الحديثة".

العلاج
وكشفت أن التأثير النفسي للحالات التي تزور العيادات النفسية عامة، يختلف من حالة لأخرى بحسب نوع المشكلة ونوع الشخصية وطبيعة المعاناة للحالة وتشخيصها، فبعضهم يدخل في مرحلة وهم يصدقه ويعيشه من ضرر الآخرين في حياته وحسدهم له، وتتبعهم لتحركاته، وكونهم سقوه شيئًا، أو عملوا له عملًا أضر بحياته وصحته وأثر عليه، فلذلك تبدأ معاناته ونظرته السلبية للحياة، وبالتالي إعاقته عن أي عمل يقوم به، وبعض هذه الحالات تبدو مرضية أكثر من كونها دخلت في إطار الخرافة، وفي حالات خفيفة يكتفون بالإيمان المطلق بالحسد وأنه دمر حياتهم.

وتوضح: "هذا برأيي أمر عام يشترك فيه الغالبية من الناس وهو "الإيمان بالحسد وتأثيره الشديد في حياتنا"، لكننا نعول على الإيمان واليقين بالله تعالى، والعلاج السلوكي المعرفي والدوائي، للخلاص من الفكرة التي تشغل المرء، خاصة إن أعاقته عن ممارسة حياته، وبالعموم فللخرافات أيًا كانت هيمنتها على الناس، فلا أحد بمنأى عن القناعات الساذجة اللاعقلانية فيها!".


error: المحتوي محمي