تغنى للغناء لا للفهم ولا للتخمين.. الكلمات في قالب جميل..
أحيانًا لا يوفق الشاعر في إيصال المراد بقدر ما يقطع سرة الضباب من رحم الماء.. مأزق كأن تصنع شبابيك متعذرة الفتح أو سلسلة من الشبابيك المتلاحقة فلا تطال آخرها مع أن الشباك يقتضي الانفتاح على شيء مستور..
أن تغرق وتغرق وتغرق ولا ترى إلا البحر في كل اتجاه.. هكذا تفقد المغزى من وجود البوصلة ولذة التنوع بين العمق والضحالة وبين الغرق والطوق. إلا أن للذاكرة قدرة محدودة على مراكمة الإحالات واستثمارها في خطوة واحدة.
يجتهد الشاعر في خلق الجديد فلا يجد على السطح إلا المستهلك الذي سبقه له الآخرون، لأن السطح متاح للجميع.. هنا يعيش الشاعر هاجس العمق والتجديد والعثور على تأويل جديد يؤثث به جملته الفنية فيكثف الرمز خوفا من الضحولة ويستأنس بالعمق رغبة في الاستكشاف الفطري فيقع دون انتباه في انغلاق النص على عقله.. وكأنه يبدأ سيلا من الخطى الذهنية يفقد من خلالها طريق العودة للخطوة الأولى..
يمارس شطرنج الدلالة فيحفز في ذهنه حركة فثانية فثالثة فرابعة.. وتتعدد المعطوفات إلى أن يفقد خيط الضمائر وقدرة الإنسان على الاحتفاظ بالفاعل الأول.. للتركيب مفعول مهم في الوصول للقارئ.. وطول الجملة يصنع الدوخة التتبعية.. وإتاحة الجملة المفتوحة في نصوص التفعيلة أدت لتراكم التتبع الدلالي فوق طاقة الخيط الذهني..
ينسى الشاعر أن المعادلة ذات المجهول ممكنة الحل في الذهن.. لكن ذات الثلاثة مجاهيل تحتاج لورقة وقلم.. يضع الشاعر قارئه بين معادلة المجهول والثلاثة مجاهيل مع تعدد وتراكم الإحالات الدلالية في الجملة وتعدد الإذاءات وبعدها عنه فإن:
على الشاعر أن يمارس فن الحل مع القارئ ويترك له قطة اللغز وفأرة الحل.. تلك المتعة اللذيذة وكأنهما يمارسان كتابة جماعية معًا..
تحمل بعض النصوص لافتات مدهشة ولكنها مصممة بطريقة تبعثر الذهن بحيث تغرق في التفاصيل ولا تستوعب المعنى الكلي. ترى ما يشبه العين والأنف والفم لكنك لا تصل لوجه متكامل من النص فتبقى متورطًا بالنص مبتهجا باستعاراته بينما لا تستطيع توظيف الرموز وتفقد طاقة الحل.
تبقى في حيرة حتى نهاية النص. الأسئلة بلا إجابات. الباب يبتلع المفاتيح. المركب بلا أشرعة أو مجاديف. الكتابة أحيانا لأجل الكتابة.. يضيف الشاعر شيئا لشيء لا تتوقعه ومع ذلك لا تتوقع ولا تصل لتوقع.
بعض الشعر.. يلعب بدماغ القارئ ويمارس البهلوانية المجازية.. يتمتع الشاعر بمهارة عالية في الصياغة وانسيابية في الموسيقى.. لكنه أحيانا يقسو على قارئه بزحمة الزخارف ويظلم كل زخرفة لم تأخذ نصيبها من العرض الكافي أو المتفرد..
الزخارف الرائعة لا شك تحتاج لسبوت لايت.. كما تدخل لمحل الأزياء.. فرق شاسع بين أن يضعها البائع معلقة ملتصقة بجانب بعضها وبين أن يضعها في حيز منفرد على مجسم عارض فيسلط عليها الضوء.. وإلا فلن يلتفت ويفهم وينتبه الداخل إلى بوتيك النص لبهاظة المعنى وحرفيته وجماله..لو كانت الشموس كثيرة مكدسة لما انتبهنا كثيرا لفرادة وجمال الشمس..
ذلك شعر اللوحة السوريالية التي تحتفظ بانسيابية اللون ولا تعطي نوافذ على الرمز أو وجها يقود للحواس.



