12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ربي اغفر لأبي

يا من حدثته عن آمال الدنيا ولهو الشباب وعتمة الصبا، وحدثني عن سر الحياة في ناظريه بحرفين من أمير الحكمة (سلام الله عليه) بقوله: "وجدتك كلي"، فرحت ألهو بين أزقة الهوى ويبحث عني في أطراف المعالي، فنظر لي بسموٍ ورفعة وأحبو إليه بأحرفِ الأبوة ويناغيني بأحرف العزة.

قف بني وإياك أن تنحني فينظرون إليك بشفقة وعطف، فإن اشتد بك التعب واستطعت أن تستظل بأوراق شجر بالٍ فاصنع وإياك أن تستظل بفيء الآخرين فإن العزة لا تُطال بمد الأيدي إلا لله.

وحين أفاض إلى ربه قرأتُ تراتيل الفاتحة أنظمها حرفًا حرفًا، ورفعت كفيَّ لأبعثها لرب السماء لتصل خالصة وأرسلتها تامة لروحه فأعاد لي بركاتها بمزيد من التوفيق والبركة فقلت روحك التي ترفرف فوق رؤوسنا لم ترحل فشاءت أن تظللنا بخيرها.

ألبستني ثوبًا جميلًا وتحته ثياب أجمل ناصعة البياض معطرة بأجمل الأعواد والطيب ولم أكن أرى لك ثيابًا زاهية أو أغطية بارزة سوى ثوب أبيض ولم أكن أعلم أن هذا هو أجمل ثيابه، يتزين بثيابنا ويعتز بوجودنا ويفرح لنجاحنا، لا تشغله الدنيا بسؤددها ولا الحياة بزخرفها سوى حضورنا وعزنا.

وكنت أنام في ظل بارد وهواء يعطر أثير غرفتي في كل زواياه الصغيرة والكبيرة، وكان يضع يدًا لتظله من الشمس وأخرى يداري بها عمله حتى إذا تقطر جبينه بالعرق توقف تحت أشعة حارقة ليمسح ما ارتشح على ناصيته يزفه زفًا ثم يتوقف لحظة ويسعى بين أروقة الحر أخرى، وكنت أراه تعبًا وشقاءً وكان يجده راحة وسعادة.

إليك أبي كل لحظات الدنيا الباقية بشوقٍ يزفه الدعاء بعد الدعاء حتى إذا تجردت الأوقات واشتدت المتاعب وقفتُ أمام رب عظيم أدعو لك بكلمات متفردة "اغفر لأبي"، وإن اشتدت بي المصاعب لذت بترابك أرتل كلمات الله على قبرك وأدعوه أن يفرج همي ولم تكن لحظات الإجابة بعيدة.

أليس قبر الوالدين محلًا للدعاء والاستجابة، فعن الصادق عن أمير المؤمنين (عليهما السلام): "زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه وعند قبر أمه بما يدعو لهما"، (الكافي).

كنت أصلي ركعة وركعة لأجل أن يصلك بعض الخير الذي قصرّنا في إتمامه لروحك أو صدقة نهبها لنفسك المستقرة، وما عساي أن أصنع جزاء ما قدمت وأنعمت.

لقد نمتَ قرير العين وإن غفت عيناي عن ذكرك والدعاء لك فلن يغفو القلب الذي ينبض بفضلك وترفرف عليه سماؤك المخيمة بعزها فجعلتني شامخ الرأس عزيز النفس كريم القلب.

أرفع ترانيم الترحم والاستغفار، فلعل قبلة مملوءة بالشوق رافعة أكف التوسل إلى رب السماء أن يجعلك في أعلى عليين مع نبي الرحمة وآله الأطهار.


error: المحتوي محمي