12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سابقوا الزمن

ورد عن أمير المؤمنين: "وبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل..." (نهج البلاغة، الخطبة ١١٤).

أنى لنا بتلك السنين المتطاولة التي نزين بها أعمارنا بحلل الأعمال الصالحة وصنع الخيرات، فتزهر دنيانا بزهور نفحات التقوى والطمأنينة والثقة بتدبير الله تعالى؟!

فمتى نفيق من وهم عشعش وتفشى بيننا ألا وهو "لا وقت عندي، ضيق الوقت"، إذ هي حجة واهية للتعلل من تضييع الفرص والمبادرة إلى التغيير الإيجابي، وقد يكون البعض صادقًا فيما يدعيه ولكنه يعاني من بعثرة في الأعمال وكثرتها، بحيث أنه لا يلتفت إلى الجوانب المهمة الأخرى في حياته كالثقافية والاجتماعية.

إن العاقل الأريب لتدفعه نفسه العالية وإرادته القوية نحو اغتنام الفرص السانحة دون تلكؤ أو تأخير، فكيف إذا اقترن ذلك بأفول سريع كنجم خاطف، فهل بعد هذه المحجة البينة من عذر لغافل تدور رحى عمره بسرعة البرق ليتكاسل؟!

الحياة الدنيا ليست بالمقر الذي ننيخ به ركابنا ونبسط على فرشه آمالنا المتطاولة، بل هي أرض خصبة ومزرعة يحرثها الإنسان بحسب طاقته واجتهاده؛ ليجني ثمارها في الآخرة ورودًا مؤنقة أو شوكًا يناله الأذى منه، فليس هناك من متسع وقت لتضييع الأوقات، فليشمر كل امرئ عن ساعدي همته وينطلق في خط العمل الصالح والاستكثار منه، فقد وفاه الجليل عز وجل على نيته الحسنة إن صادفه ظرف فلما يجسدها عملًا خيرًا، فكيف بمن يحمل في طيات عمله الإخلاص لله تعالى وآيات الورع والاستقامة؟!

ويا للأسف على ما يفنيه بعض الشباب والفتيات من أوقات تضيع هدرًا، دون أن يعتبروا الوقت كنزًا عليهم أن يغتنموه ولا يضيعوا ولو جزءًا بسيطًا منه، فكيف بالساعات والساعات تمر دون استثمارها وتحويلها إلى مجموعة أهداف يعمل من خلالها على تقوية علاقته بربه وتحقيق ما يصبو إليه كل إنسان من بلوغ أعلى درجات الكمال والسمو الروحي.

ولذا علينا تنمية ثقافة اغتنام الأوقات وتقسيمها بما يتلاءم مع تنمية متعددة الاتجاهات بين علاقته بربه وبنفسه وبأهدافه وبالترويح عنه، فلنقتطع بضع دقائق نختلس فيها أنفسنا من مشاغل الدنيا ونخلو بها، لنحاسب أنفسنا ونرى إلى أين نحن ذاهبون في طريق إعلاء قيمة أنفسنا و الخطوات المعدة لذلك، ونتخلص من كل آفات سرقة الأعمار التي نواجهها ككثرة الحديث والجلسات بلا فائدة، فكم من واحد منا يستيقظ ولا يعرف ما يفعل فيتجه نحو جواله ويتنقل بين وسائل التواصل والدردشات الكتابية بلا حساب للوقت فيقضي كذلك معظم وقته؟!

هذه الدنيا ليست بدار لهو ولعب يحيلنا إلى شخصيات خاوية لا تجد في عقولهم شيئًا من الحكمة والمنطق والثقافة، وتختفي منهم دلائل الإرادة القوية وعلامات الإيمان الحقيقية من صدق وأمانة وحسن خلق وجميل التعامل مع الآخرين.

إن لنا في الشخصيات العظيمة كالأنبياء والأئمة والمعصومين قدوة نتأسى بها في صياغة شخصياتنا وفق المعرفة والعمل الصالح، فنتجنب كل ما يسيء إلى التكريم الإلهي لنا، ومنه ضياع المبادرات التي تدل على علو الهمة والسير الحقيقي الحثيث نحو القرب منه تعالى.

ومن العوامل التي تعيننا على اغتنام الأوقات تذكر حقيقة أننا لسنا بمتروكين من الرقابة والحساب الإلهي، فعلينا ملكان يسجلان منا الهمس والصمت وما تخفيه صدورنا، فضلًا عن ما نعلنه، فإذا استحضرنا هذه الحقيقة ساعدتنا على التزام الاستقامة والثبات على الحق وتنزيه النفس عن التفكير بالشهوات، فضلًا عن الانغماس فيها.

نحتاج إلى إعادة حساباتنا وفق ما دعا إليه أمير المؤمنين (ع) من وضع هاتين الحقيقتين نصب أعيننا فنوليها الاهتمام البالغ، فأعمارنا ليست بمتطاولة حتى نقضي معظم أوقاتنا في الفراغ، ولا نضيع تلك العلامة المهمة للمؤمن وهي روح المبادرة، فيبادر ضعفه وكبر سنه بالعمل الصالح وصنع الخيرات دونما تأخير.


error: المحتوي محمي