12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

التآخي في الدنيا

عندما يصاب الرضيع بخوف أو فزع أو اعتداء من طفل أكبر منه، فإنه يركز نظره على أمه كأنه يستنجد بها لتنقذه، مثلًا الطفلة حوراء كانت تركز نظرها على والدتها عندما يأتي أخوها ليحملها ولكنه بهذا يؤلمها، بضغطه عليها، إذ يطوقها بيديه لئلا يأخذها منه أحد، وكان الفرق بينهما ثلاث سنوات إلا ثلاثة أشهر تنقص منها سبعة أيام، حتى قريبتهما في مجتمع عائلي لاحظت وقالت إنها تستنجد بأمها من أخيها، كذلك زينب كانت تطالع أمها عندما كانت حوراء تحملها وتحاول أن تجلسها وهي ذات شهرين تريدها أن تلعب معها، وكان الفرق بينهما ست سنوات وثلاثة أشهر وعشرين يومًا تنقص منه ساعات.

الغريب أن الطفل لا يعبر عن مضايقة الصغار له بالبكاء، خاصة أمام أمه، فمثلًا عبد الله كانت ابنة خاله أم هادي الآن عبد الله الفرق بينهما بضعة أشهر كانا يحبوان، وتأتي أم هادي (طفلة) تجر شعره فينظر إلى أمه ثم يتجه بنظره إلى الطفلة التي تشد شعره وعندما تكرر سحب شعره يبكي.

كذلك الكبير عندما يشعر بما يضايقه يتجه لمن يشعر بأنه قريب منه كأخ أو صديق أو جار بينهما مشاعر متبادلة أو ارتباطات ذهنية فكرية أو نشاط علمي، فمثلًا لو غبن شخص ما أو شعر بظلم وقع عليه فإنه يبث ما يخالجه من شعور لمن يشترك معه في فكرة أو مهنة علمية عملية أو فكرية، بينهما شعور متبادل أو عشرة.

وأعتقد أنه لن يخطئ الطريق في مسألة المشاعر، فهو يشعر باحتواء ذلك الصديق له، فيبذل له المساعدة المعنوية والمادية ويقدم له النصيحة والمشاعر الصادقة التي تخفف آلامه سواء الجسدية أو النفسية التي برزت من موقف إما مرضي أصيب به أو نفسي وقع عليه ممن يواجههم أو يتعامل معهم في الحياة، حيث إن كثيرًا من الأفراد تكون لهم معاملة دونية للآخرين وترفع وكأنهم من كوكب آخر، ويعتبرون أن تثبيت علاقة أو ارتباط مع آخرين امتهان لأنفسهم لأنهم يعيشون الأنا وكأنهم من كوكب آخر، أو أن التعايش والمسالمة مع الآخرين ينقص من قدرهم.

ما الضرر في ذلك؟ لقد أكدت الأحاديث على التعايش والانتماء إلى الآخرين تحت مظلة الانتماء الإلهي والتقدير الإلهي والحث على المحبة والمودة والإخاء، والحياة تحتاج للمجابهة والتصدي لمصاعبها ومتاعبها مع التكيف مع الآخرين {إنما المؤمنون إخوة}، ويقول صادق آل محمد "صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه": "أكثروا من الأصدقاء في الدنيا فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا حوائج يقومون بها وأما في الآخرة فإن أهل جهنم قالوا فمالنا من شافعين ولا صديق حميم".

فالمعاملة والمعاشرة بين الناس والتعايش مع الآخرين يطالب الشرع بتحقيقها ويفاضل بينها وبين الانتماء إلى الله كالقرابة والصداقة والجوار والمشاركة في مهنة أو عمل اجتماعي، فالمحبة والكلمة الطيبة والإقبال والترحيب والبشاشة في وجه الآخرين يجعل النور يغمر حياته لأنه استعمل عقله في وجوه صالحة، فرسول الإنسانية يقول: "رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس"، فما بال أهل الدنيا، قد صاغت دستورًا لها للتنافر والابتعاد عن الآخرين، والكل قد ناله قدر لا يستهان به من جفاء وصد وإبعاد حتى في أمور مشتركة وأعمال تخص عملًا اجتماعيًا مشتركًا ويعيش المبعد بعطائه منبوذًا مبعدًا يعاني آلام معاملة الآخرين وسلبياتهم بالترفع والتكبر والتعالي.

فقلوب تئن ونفوس تعاني من إقصاء وإبعاد لا تدري لماذا أقصيت وأبعدت عن مهمة قد أحبتها وقدمت الكثير وتفانت فيها وأبدعت؟ عندما أقصيت من مهمتها دون تبرير السبب اعتصرتها الآلام وحاصرتها الهموم واعترتها الأحزان من تصرف لا مسؤول دون سبب معقول هي قادرة على العطاء والتألق والإبداع في مكان غير الذي أقصيت منه، لكنها تريد أن تعرف أسباب الإبعاد، حتى يزول من ذهنها تعدد الأفكار وتذهب بها المذاهب في كل اتجاه.

فمتى أيها القابع في دجنة الظلام تستعمل عقلك كما الدين أمر فيضيء لك الطريق كما المصباح، إذا أقصيت وأبعدت من لا يروق لك ليكن على بينة من تصرفك، حقًا إن القلوب جنود مجندة ما تخالف منها اختلف وما تآلف منها ائتلف، وتصنع الخير للبر والفاجر كما قال نبي الإنسانية ليكون ذلك حجة عليهم للإنابة للدين والعقل، فمعاملة الناس معاملة حسنة وإنصافهم وحفظ حقوقهم ما يترشح من العقل السليم الضامن لإنصاف الآخرين وثمرته ضمان محبة الآخرين له واحترامه ووده والالتزام بالآداب والأخلاق الحسنة، أسأل الله لي ولكم السير في دروب الهداية والصلاح، وأن يعمر قلوبنا محبة وإيمانًا.


error: المحتوي محمي