في مجتمعات كثيرة وبغض النظر عن دياناتها وبعض ما لا تقره نواميسها الشرعية والتي ربما فسروها حسب قناعاتهم واعتقاداتهم، نراهم يتوارثون القيم والأخلاق والعادات الجميلة، وتتربى أجيالهم جيل بعد جيل على المبادئ الخلّاقة والمثل الإنسانية العالية عامة وخاصة، كما وتلتزم هذه المجتمعات بالنظم والقوانين الوضعية التزامًا حقيقيًا، تمامًا كما يلتزمون بما تعلّموه وورثوه من الفضائل، ويعملون بها بجدية ومسؤولية، لتكون سمة تتصف بها بلدانهم وتميزهم على اختلاف تمسكهم بها.
هذا التوارث عادة ما يكون عندهم متقارب الأوقات بحيث إنه يتعاقب جيلاً بعد جيل، وهم يكتسبونه من عدة طرق سواء من الأسرة أو وسائل التعليم أو يكتسبونه من المحاكاة التي يرون ما يلتزم به غيرهم فيستحسنونه ويعملون به.
نحن للأسف نفتقد لذلك تماماً، وكأننا لا نملك تلك القيم على اختلافها، ونحن الذين أخذناها من معينها الصافي، وهي في الأساس جبلتنا وفطرتنا التي من المفترض أن نتشارك فيها مع بني الإنسان جميعًا.
فما بالنا تبرأنا من ذلك، وبدا كل جيل يختلف عن سابقه اختلافاً كلياً وبانحدار، وبدلًا من أن نرتقي بالموروث والمتوارث المحمود والذي نحمّل بصورة وبأخرى من سبقوا مسؤولية من لم يكترث أيضاً بحث الأجيال عليه والأخذ به، فأخذنا بدلًا من ذلك نبدله لنعوضه بمبغوض منبوذ، فترى الجيل يسابق الجيل في كيفية الظهور بالمظاهر المخجلة والأفعال المشينة، تارة على مستوى فردي وأخرى على مستوى جماعي، فما علينا سوى أن نراقب ولن نتكلف كثيرًا العناء لنتيقن فعلاً أننا نعيش الانسلاخ من كل ما هو مندوب من الأخلاقيات التي كان عليها الأقدمون من أهلينا، واندثرت أو تكاد عن سابق إصرار وترصد، منعتقين عما كان يجب الأخذ به والرقي بالحسن الفاضل منه.
ماذا يعني هذا العبث بالإنسانية؟ وماذا يعني هذا الضياع لأجيال لا تزال في مقتبل العمر، ماذا يعني عدم الاكتراث بالممتلكات الخاصة والعامة، والاستهتار بالأملاك والأرواح لدرجة أن صرنا نخاف من انهيار المجتمعات، بسبب فساد وضياع أجياله.
يجب أن يوضع حد لهؤلاء العابثين خاصة أولئك الذين يعتدون على الأملاك العامة والتي تعمل الدولة على توفيرها لراحة المواطن من متنزهات واستراحات وشواطئ وتشجير وإنارة، وخلاف ذلك مما هو حق عام للجميع، والذي سنفقده إذا استمر من لا يملك ذرة من إحساس أو قنطارًا من مسؤولية.
الممتلكات العامة ملك للجميع، والاعتداء عليها اعتداء على الجميع، وهو مخالف للدين والقانون والأعراف، وحق أن يعاقب عليها مرتكبوها حتى يرتدعوا ويرتدع غيرهم، ونرى ضرورة تفعيل العقوبات المالية وخلافها مثلها مثل باقي العقوبات المعمول بها في المصالح الخدمية الحكومية الأخرى.



