12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ذاكرة أوجاع متكسرة

في مثل هذا اليوم يتم التضامن مع مرضى فقر الدم المنجلي، وهو من الأمراض المزمنة المنتشرة في المنطقة الشرقية.

منذ الصباح ثمة فتاة في سن الرابعة عشرة لم تبارح ذاكرتي، هي إحدى مريضات هذا المرض الغادر الذي يهدأ فترة وفجأة يهجم عليها بنوباته البغيضة فيطرحها على ذلك السرير الأبيض الذي يشهد بكل معاناتها وصبرها على آلامه وصمودها الذي لم ينل منه المرض قيد أنملة بل على العكس، كلما مرت بها السنوات وزادت نوبات المرض التي أجبرتها على إجراء أكثر من عملية، كلما ازدادت قوتها وتضاعف صمودها.

أحببت كل المصابين بهذا المرض ليس إشفاقاً وتعاطفاً بقدر ما هو إعجاب بقيم الصبر والصمود والتحايل على الألم الذي وجدتهم يمارسونه كي تستمر حياتهم.

علمتني تلميذتي زينب دروسًا عظيمة من سنن الحياة رأيتها تجسدها أروع تجسيد.

لا تزال آهاتها تتناهى إلى مسامعي في أول زيارة لها في مستشفى القطيف المركزي الذي يعج بالكثيرين ممن قهروا آلامهم تارة بآهات مخنوقة وتارة بصراخ مستمر، فيسكتونهم بتلك الإبرة الوهمية التي ليست سوى ماء ليس به أي إضافات لكنه يوحي لهم بفاعليته في تسكين الآلام، ومع كل هذا لم يهزمهم المرض.

في رحلة علاجي الطويلة مررت على أكثر من مستشفى وكان أكثر المرضى هم من أولئك الذين يحملون هذا المرض ويعانون منه معاناة لا يعرفها سوى ذويهم أو من يشاركونهم قسوة معاناة هذا المرض وسبل التغلب عليه.

لا أدري لماذا تلح عليَّ ذكراها هذا اليوم وكأنني أراه قد نشب أظفاره القاسية في جسدها الضعيف وأتعبها.

أعوام مضت على معرفتي بها، كنت معلمتها لفترة قصيرة لا تعدو الأربعة أشهر، لكنها أصبحت ابنتي المقربة وصديقتي التي أعشق الحديث معها، وطوال هذه المدة حين كانت تمرض يبقى أمر مرضها سراً، كان قلبي يفاجئها حين يؤكد لي أنها تعاني من هذا المرض الذي ألم بها.

وبعد كل هذه السنوات التي كنت أراكِ تعانين فيها بصمت.. بهدوء.. بتحدٍ، أجدك أم الجواد الذي يكبر كأجمل إنجاز لعمرك.. أهمس في أذنك بكلمات لا أزال أتمتم بها بين فينة وأخرى وأنا في قمة إكباري لأمثالكئ قد لا ينجلي تكسر كرات دمك المسمى بالمنجلي، لكنك بالأمل تواصلين كفاحك وهو خير العمل، متحدية كل أوجاعه التي تأتي وتذهب ولن تكسرك نوباته مهما كسر في دمك أو تآكلت منه عظامك، فما زلتِ شامخة في وقوفك قامة قوية شابة لا تضعفها نوبات المرض.

حبيبتي زينب؛ لكِ لكل مصاب بهذا المرض كل دعواتي بالشفاء يلهج بها لساني كل يوم، وأغفو على حلم رؤيتكم وأنتِ في أتم الصحة والعافية لأنكِ تستحقين كل خير الدنيا والآخرة، وأن يلبسك لباس الصحة والعافية، ويهبكِ خيراً بقدر نواياكِ الطيبة.


error: المحتوي محمي