مفهوم الحرية كما يبدو ضائع في الوسط الثقافي والتقليدي، فكل جماعة تعرف الحرية وفق ما يتوافق مع المصالح، لذلك أصبحت الحرية تُعرف بشكل غير مدروس إنما وفق رؤية معينة تخص كل من سعى لتفكيك مفهومها ضمن أسلوب منمق، ولا يخفى على القارئ الواعي أن للحرية مضمونًا عميقًا جدًا، لم يصل إليه الكثيرون أثناء تحريك أقلامهم إليها، وكما لاحظت أن عموم من يكتبون عن الحرية ليسوا أحرارًا إنما هم مكبلين بالكثير من المفاهيم المغلوطة أو الآراء المتشددة وغيره.
فالخوض في تعريف الحرية من غير بينة هو البدء بنقطة سديمية تدخل القارئ الواعي في حيرة، نعم يمكن لمن يكتب عنها أن يشير بشكل واضح أنه ما طرحه حول الحرية سجالي وذو ميادين متشعبة لدى الكثير ممن عرفها وفق نمطية الوضع الاجتماعي والديني، من هنا تتضح الصبغة المطروحة للحرية.
إذًا الحرية كما يراها البعض حرية فكر أو حرية رأي أو حرية مظهر أو حرية عمل وغيره، وكلها حريات يسعى إليها أي إنسان على وجه الأرض، مما يعني أن الحرية مبدأ، أي أن الله سبحانه وتعالى خلقنا أحرارًا نتخذ خطواتنا من خلال اِعمال عقولنا وجعلنا مخيرين لا مقيدين، لكن في المقابل جعل للحرية مقياسًا يمكن للإنسان أن ينظم حركته الحياتية من خلالها، تلك المقاييس تجعل من الحرية طريقًا مشذبًا وسالكّا.
أما وضع الحرية ضمن السكولستيكية أي إغلاق العقل ضمن أطروحات وقضايا تبلورت في حقبة معينة أو ضمن وضع تجديدي يرى الانسلاخ والتناقض والتبديل أساس استثمار الإمكانيات، يجعل من الحرية مبدأ بربريًا.
تقتضي الحرية وعيًا مطلقًا وليس خرقًا للمبادئ، إنما الحرية نظام وانضباط وسلوك وأخلاق، فلا يمكن التعدي على المصالح العامة باسم الحرية كقطع إشارة مرور أو تعدي السرعة المطلوبة أثناء القيادة أو تخريب المرافق العامة من حدائق ودورات مياه أو التجني على الآخرين والتعرض لمذاهبهم وطوائفهم وغيره من السلوكيات الشائنة، كما وجدنا رسام الكاريكاتير الدنماركي الذي أساء إلى المسلمين برسم النبي محمد بصورة ماشية باسم الحرية.
إن القلق الذي ينتاب الكثير من مسمى الحرية لا غرابة منه، فمن يشاهد الحياة الغربية ومنطلقاتها وعشوائيتها يربط تلك المشاهدات بمفهوم الحرية، لكن الحرية الإسلامية بخلاف الحرية الغربية السجالية أو الحريات التي يناضل الكثير من الكُتاب الكتابة عنها، إن حرية الإرادة واختيار المكسب ورد ذكرها في عدة آيات قرآنية مرتبطة بمسؤولية الإنسان تجاه أعماله، قال تعالى {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ}.



