12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تديّن مُلوّث

التّدين هو الاعتقاد بعقيدة ما واتباع أفكارها سلوكياً ومعنوياً، وهي فطرة يوُلد عليها المرء.

ونحن مع التقدم الحضاري أننا مازلنا نعاني في مجتمعنا من دوامات المتدينين المتصوفين الذين لا يعتقدون سوى بأفكارهم المنغلقة وكل من يخالفها فهو بحسب اعتقادهم خارج عن الدين، ما يجعلنا هذا بحاجة لإعادة صياغة كُل التعاريف في ذهننا بدءًا من الإنسان والأخلاق التي يحث عليها الدين والأهم من ذلك لما خُلقنا؟

فالمتصوفون منغلقون بزاوية لا يستطيعون إدارة رؤوسهم من حولها، ولا تغيير اتجاه تفكيرهم بسهولة لأنها ضيقة ومحصورة بتلك الزاوية.

لي وقفة مع تجارب مجتمعية، أبدأها مع أزهار التي لم تزدهر يوماً، وقد بدأت حديثها بتنهيدة لذكريات الماضي الذي حاصرها، فتقول: "تربيت في بيئة انقادت وراء ما يمليه عليها رجل الدين بدون تفكير، فكان حصادها من ذلك التمرد".
وتتابع: "نعم كبرت وتمردت على العادات والتقاليد وكل ما كنت يأمروني به باسم الدين، وأصبحت أبحث عن الرب بنفسي، بين ابتسامة الفقراء، ومسح دمعة اليتيم، وبين الإحسان والصدقة، وبين ما يعينني لأكون إنسانةً على قيد الحياة".

وفي رواية للإمام الجواد (ع) تؤكد لنا أن القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح.

فالعرفان ليس مختصراً بسجادة ومسجد ولا بحسينية أو منبر ، بل هناك جوانب متعددةٍ، فالكلمة الطيبة وقضاء حوائج الناس، برّ الوالدين، حُسن الخلق، كفالة اليتيم، دفع تكاليف شخص لا يستطيع الحج فقراً، أو سد دين فقير كلها عرفان.

يجب الترغيب على عمل الخير الذي حث عليه ديننا وتغيير النمط المعتاد والمقتصر على شيء واحد وهو الشيء الذي زرعه رجال الدين فينا.

ألم نتساءل يوماً لماذا أنتجنا أجيالًا بعيدة عن الدين بتصرفاتها؟ لماذا أجيالنا تحضر مجالس العزاء ولكنها لا تصغي لحديث الخطيب؟ لماذا أصبح الخطباء غير محببين من الشباب؟

الشيطان قد يُنبذ لأنه كافرٌ، لكنه يعود على هيئة رجل شديد الإيمان، وهذا هو حال أمل وهي تتحدث عن حالها فتقول لي: "ابنة عمه كانت دائماً تتحدث وتشير باسم الدين فكان كل ما يواكب العصر حراماً، بدايةً بالتلفاز، ووصولاً إلى قيادة المرأة للسيارة".

والعجب كلّ العجب إذا تعلق الأمر بها تُردد: "إن الله غفورٌ رحيم، وللدين مخارج"، أما إذا تعلق الأمر بغيرها فإن الله شديد العقاب، فهي إبليس على هيئة بشر.

فمتى نستفيق ونصحو من غفلتنا؟ ولا نكون ساذجين، نسير وراء القطيع بدون التفقه، فنقع ضحية الشيطان لأنه يقبع بيننا بألف وجه.

هناك جملة كانت ترددها والدتي لنا يوماً: "من عاب ابتلى"، وهذا حال شقيق "حوراء" الذي كان دائماً يردد: "إن عيبنا نحن أخواته شعرة بلحيته، وعيب بناته وتحررهم ماذا يكون؟ والخروج بالتبرج كاملاً وبخصلات الشعر ماذا يكون؟ وقطيعته لأخيه وأمه تحت ماذا تندرج؟".

لقد أضاعوا هدف الدين ورسالته السامية التي من شأنها أن تسيطر على نفس الإنسان وليس على الآخرين، فمهمة الدين الرئيسية ليست إدخال الإنسان للجنة، بل إدخال الجنة إلى قلب الإنسان، ولكننا نجد البعض قد انشغلوا بعيوب الآخرين متناسين عيوبهم.

وأما صباح فتقول: "كنت أستمع لرجل الدين في محاضراته، وأقتدي به، في حديثه عن الحجاب وعن حشمة المرأة، وشاءت الأقدار أن ألتقيه خارج البلد وتفاجأت بما وجدت عليه أسرته، فقلت له: أليس من الأجدر أن تقوا أنفسكم وأهليكم ناراً، فكلام المنابر لا جدوى منه دون اقتناع".

كلام الترهيب والوعيد يجب أن نبتعد عنه لنرغب الأجيال بالدين ونحببهم له، والله سبحانه وتعالى أرحم من أن ينبذ عبده بسبب بضعة معاصٍ، فإن شعر العاصي بأن الله لن ينظر إليه فسيتخلله اليأس، فلماذا يبث بعض رجال الدين اليأس في قلوب الناس من رحمة الله تعالى.

وقد يظن البعض أن غرضي من الكتابة التحرر، ولكن هدفي تصحيح المفاهيم فربنا لم يخلقنا لأجل أن يُعذبنا، ونحن من يختار طريقنا لا رجال الدين، وربنا بنا رحيم.

رضاً بقضائك يا رب لا معبود سواك.


error: المحتوي محمي