12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

القوة الحقيقية

ما هي مناشئ القوة والاقتدار التي تلوّن وجودنا وتترك أثرها في شخصياتنا وتدفعنا إلى الثبات في ساحة مواجهة التحديات لمخاطر لا يخلونّ منها كل يوم نعيشه وينقذنا من موارد الحيرة حينما تداهمنا الشبهات وتعصف بنا الظروف القاسية؟

تتجه النفوس المادية نحو أسباب القوة المالية أو السلطة والوجاهة لعلها تكسوهم بلباس الاقتدار، ويضرب القرآن الكريم الأمثال بذكر نماذج لسلطة المال كقارون، والقوة والجبروت كفرعون والنمرود وغيرهم، فما كان من السنن الإلهية إلا أن باغتتهم بحوادث الأيام أو الضعف والعجز أمام المرض وغيره، أو ضربتهم العقوبة الإلهية فباغتتهم المنية وأقبرتهم تحت التراب، أفلا يكون ذلك عظة وعبرة للإنسان المفتون بزينة الدنيا ويغيّر من قناعته فيجعل المال والوجاهة وسيلة لا غاية لحياة كريمة؟!

القوة الحقيقية هي الاتصال بمسبب الأسباب ومدبر الأمور والذي بيده مقاليد كل شيء، فانظر لذاك الفؤاد الذي انسكبت عليه آيات الطمأنينة والسكينة والهدوء والثبات، فالجلوس في خلوة مع النفس لإعادة الحسابات وتكشف موارد الخطأ والذنب والتقصير تجعل بوصلة عمله وفكره نحو التخلي عن كل ما يسقط المرء في وحل الرذيلة والمعايب.

والجلوس في محراب العشق الإلهي يهبه الحكمة والتريث في كل ما يصدر منه، فتعافى نفسه وتتأفف من الخوض في سقط الكلام وسيئه من كذب وغيبة وحديث لهو، وذاك اللسان الرطب اللهج بذكر الله تعالى وتلاوة كتابه ومناجاته يزيده رسوخًا وتجذرًا في حصن العفة والاستقامة، فيكون صمته وحديثه وقراره لا يتعدى الإرادة الإلهية، ويتمنع من الاستجابة لهواه وشهواته الذي يغيبه عن الرشد والورع.

والاتصال بالله (عز وجل) يهبه الصبر والثبات أمام متعرج الظروف والصعاب، فإن الإنسان المادي يصيبه الانهزام النفسي والشعور بالعجز أمام صدمات الحياة وعواصفها العاتية، ولكن المؤمن يفهم حقيقة الدنيا والابتلاء فيها، فيشمٰر عن همته وإرادته لتقبل هذا الواقع وينهض مجددًا إن أسقطته المتاعب والأزمات.


error: المحتوي محمي