{ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30].
الماء مادة حيوية وعطاء من الله.. لا حياة من دونه.
هدر الماء نجم عنه شح وندرة في الموارد المائية، والعالم بأسره يواجه اليوم نقصاً متزايداً في مياه الشرب، نحن نعيش في بلد معظم أراضيه صحراء جافة، سيفضي ذلك مستقبلاً إلى نتائج خطيرة نتيجة استنزاف مصادر المياه القابلة للنضوب مع قلة أو محدودية الموارد الطبيعية والاستهلاك المفرط للمياه وعدم الاستفادة من مياه الأمطار.
لجأنا إلى وسائل بديلة كتحلية مياه البحر أو استخدام أجهزة معالجة لمياه الآبار الإرتوازبة والعيون..
مصادر مياه الشرب الصالحة للاستهلاك الآدمي في منطقتنا:
١ - مياه الشرب المعبأة.
٢ - مياه الشرب غير المعبأة "مياه الشبكات العامة".
استوقفتني هذه المقولات التي لا تبدو مقنعة تماماً للمستهلكين، وأصبحت مادة للنقاش:
• مياه الشبكة العامة صحية وآمنة وموزونة الأملاح.
• الاعتماد على مياه الحنفية في الشرب.
• المياه المعبأة غير صحية، لأنها منزوعة الأملاح والمعادن التي يحتاجها جسم الإنسان، قد تسبب قصورًا في الاحتياجات اليومية للشخص وقد يتبعه بعض الآثار الصحية كالكسل والخمول وضعف التواصل العصبي ونشاط المخ والأعصاب.
• يمكن التعرف على صلاحية المياه للشرب عن طريق التذوق.
• تحدث عن تجربته الشخصية مند 57 عاماً باعتماده على مياه الحنفية للشرب وصحته جيدة ولم يشتكِ من شيء.
هذا ملخص ما صرح به الدكتور فهد الخضيري أستاذ وعالم الأبحاث المتخصص في المسرطنات - مركز الأبحاث - مستشفى الملك فيصل التخصصي، على هامش مشاركته في فعاليات مؤتمر جودة مياه الشبكة الذي أقيم في مركز الملك خالد الحضاري ببريدة 8 أكتوبر 2018م.
ينبغي أن نسَلَّم بسلامة المياه التي تأتينا عبر الشبكة العامة كما يرى الدكتور الخضيري.
وقد أثارت تصريحاته الكثير من الجدل، ونحن نتساءل ما الذي استند عليه الدكتور؛ هل هي دراسات أم أبحاث أم تجربة شخصية!
كنت حريصاً كل الحرص على أن أستمع إليه جيداً وبكل دقة تقتضينا هنا الموضوعية من باب الأمانة في الطرح وتقديم الحجج، فلنترك الوصف الحي يؤكد الحقائق.
سبق أن كتبت تعليقاً نشرته عبر قنوات التواصل الاجتماعي وفي موقع المدونة، دونت فيها الأدلة مقابل الآراء والأطروحات التي ذكرها الدكتور الخضيري، قلت: هذا وكنت أظن أنني أوفيت الموضوع، ولكني تلقيت مند فترة اتصالًا من أحد زملاء العمل بالهيئة العامة للغذاء والدواء، وطلب مني أن أفرد مساحة واسعة للحديث عن المياه المعبأة وغير المعبأة وأثرها على الصحة العامة.
وجهة نظر من زميل لا أستطيع تجاهلها لأهمية هذه النوعية من المياه.
ولأن البحث فيه يتشعب ويطول أرى أن البدء بمياه الشبكة العامة "المياه غير المعبأة " من منطلق تصريحات الدكتور الخضيري في المؤتمر التي تستحق الكثير من التأمل، لأنها تتصل بصحة الناس.
إن الاعتماد على مياه الشرب المعبأة بقوارير يتزايد، وعزت ذلك لعدم اطمئنان الناس إلى شبكات جر المياه للمنازل، وإلى زيادة الوعي لأهمية سلامة المياه، ومواصفاتها التي تحظى وهي في القوارير بثقة المستهلك أكثر من غيرها لأنها آمنة ونظيفة.
من المُسَلَّم به حسب نتائج الفحوصات المخبرية السابقة أن مياه الشبكات العامة أو المياه الجوفية المسحوبة دائما لا تجتاز الاختبارات المطلوبة:
كيميائياً "ملوثات وأملاح".
وجرثومياً "بكتيريا الكوليفورم، بسيدوموناس".
فيجب الحذر منها لأنها قد تكون خطيرة على الصحة العامة.
من المفترض أن شبكات المياه العامة تزود المستهلك بالمياه الصالحة للشرب بعد إجراء عمليات التجميع والمعالجة والتخزين والتوزيع من المصدر إلى المستهلك، وتكون مطابقة لخصائص المياه غير المعبأة حسب المواصفة الخليجية.
(مياه الشرب غير المعبأة) GSO149/ 2014
ومن المفترض أن مياه الشبكات العامة قد وصلت إلى معظم مناطق المملكة وهي مياه محلاة، ومن مصدر آمن ومعتمد من الجهات الرسمية ذات العلاقة وذلك بعد عمل دراسات مسحية وتحليلية للتأكد من أنها صالحة للأستخدام، ومعالجات كيميائية أو فيزيائية أو حرارية منفردة أو مجتمعة كافية للقضاء على الميكروبات.
إلى أي مدى يمكن الاطمئنان لصلاحية هذه المياه؟
بعد تأمين المصدر من الجهات الرسمية ذات العلاقة، يلزم أن تكون جميع التركيبات الخاصة بخزانات المياه والأنابيب والتجهيزات المتصلة والملامسة مع المياه، مصنوعة من مواد لا تؤثر على الخصائص الطبيعية أو الكيميائية أو الميكروبية للمياه وتمنع دخول أية مواد غريبة، مع ضمان الصيانة الدورية للشبكة.
إجراء الفحوصات المخبرية الدورية لضمان سلامة وجودة المياه.
والتأكد من تركيز المطهرات المستخدمة في مياه الشرب غير المعبأة في الحدود المسموح بها.
ونحن مع الدكتور الخضيري في حالة أن تلك الإجراءات كافية لإقناع الناس بصلاحية مياه الشبكة العامة للشرب!
لكن هذه النوعية من المياه تجرى عليها معالجة لكونها مياه بحار أو مياه جوفية، من تجميع وتطهير أولي، وعمليات ترسيب وترشيح وتطهير نهائي، وخفض نسبة الأملاح، وقد تكون ملوثة. المسؤولون عن عملية المعالجة لم نسمع منهم أو يؤكدوا لنا أن هذه المياه صالحة للشرب، إلا على هامش فعاليات مؤتمر جودة مياه الشبكة الذي أقيم بمركز الملك خالد الحضاري ببريدة - وكانت الورقة المقدمة من المشاركين تحمل عنوان "جودة المياه في شبكات التوزيع".
• مياه معالجة يعني تعرضت لعمليات كيميائية عدة أثرت على طبيعتها، وإذا تم ذلك الإجراء أصبحت بحكم المختصين "مياه معبأة" وهذا ضد قناعاتكم الشخصية يا دكتور! إنها مياه غير موزونة، خالية من الأملاح والعناصر المعدنية الضرورية، وفقدت الفائدة الصحية!.
• مياه قد تكون ملوثة بالمعادن الثقيلة والمركبات العطرية الحلقية المسرطنة، من مصدرها أو نتيجة المعالجة، فكيف يتم لنا نزع تلك المواد لتصبح صالحة للاستعمال؟!
عملية تطهير المياه في الشبكات العامة من أجل قتل الميكروبات والطفيليات بحاجة إلى إمكانيات وتقنيات عالية، قد يستخدم الأزون أو الكلور أو الأشعة فوق البنفسجية أو بمحلول اليود أو بأية وسيلة أخرى، وفي كل الوسائل تنتج مواد خطرة من مخلفات التعقيم مثل برومات البوتاسيوم الضارة بالصحة، أو زيادة تركيز الكلور الحر عن 0.5 جزء في المليون، أو مواد التطهير الأخرى، وهذا ما يخيفنا!
عملية خلط المياه المحلاة بالمياه الجوفية هو إجراء متبع في معظم الشبكات العامة من أجل:
• تصحيح تركيبة المياه بالأملاح والمعادن الضرورية في الحدود المسموح بها.
• مواجهة نقص المياه في حالات الصيانة والطوارئ.
مياه الشبكة التي تصل للمنازل تستقبل في خزانات أرضية، قد تقلل من قيمتها الصحية في حالة سكونها، لكون الماء الساكن يفتقد إلى أكسجنة أو تهوية الماء، ويكون بيئة مناسبة لنمو الديدان واليرقات والطحالب والفطريات وغيرها، وحركة الماء تحسن من خواصه الطبيعية.
كما نلاحظ في مياه الشبكة أنها تكون مصدرًا لتجمع الأتربة والحجارة الصغيرة والشوائب في قاع الخزانات المنزلية!
نلاحظ تراكم الأملاح والأتربة على سطح خلاطات المياه والحنفيات والتوصيلات في المنازل، وكذلك في المصفاة الملحق بالخلاط.
ماذا يعني ذلك!.
وللأسف نحن لا نملك ثقافة الصيانة الدورية للخزانات والتمديدات الداخلية المنزلية.
في القصور والفنادق وأغلب الفيلل، وفي المركز الذي عقد فيه المؤتمر، تتواجد أجهزة تحلية ومصافي ذات جودة عالية وصيانة دورية لتنقية مياه الشبكة العامة وتحسين خواصها، ومن المؤكد أن الدكتور لديه مثل تلك التجهيزات، فلا يوجد هناك مانع من استخدام تلك المياه
للشرب!
في حين أن غالبية السكان ليس لديهم قدرة على امتلاك مثل تلك التجهيزات، إنما البعض الآخر يلجأ لاستعمال أجهزة وفلاتر تجارية رخيصة الثمن تحتاج إلى مراقبة وتبديل مستمر وليست آمنة.
الخلاصة مياه الشبكة العامة تحتاج إلى خطوات تصحيحية من المسؤولين لتخفيف معاناة الناس، منها إنشاء مختبرات متنقلة لسحب عينات من المنازل وفحصها لإقناع أهلها بجودة وصلاحية المياه للشرب،
وليس بواسطة التذوق، ونحن نحترم وجهة نظرك الشخصية - يا دكتور - هذا الإجراء غير مقنع علمياً وللجمهور ونحن في عصر التقنيات.
التحذير الذي أشرت له - يا دكتور - بأن كل المياه المعبأة يجب الابتعاد عنها، هذا فيه تجنٍ وإضرارًا لأصحاب المشاريع ومصانع المياه المعبأة كون تلك المنشآت تخضع لرقابة مستمرة من قبل الجهات المعنية، وتنفيد العقوبات الصارمة في حالة عدم التقيد بتعليمات الهيئة العامة للغذاء والدواء واللوائح الخليجية والتشريعات الدولية، إما إيقافها أو الغرامات أو التشهير بها عبر وسائل الإعلام.
قلت في اللقاء الإعلامي: أنا شخصياً في بيتي أشرب من مياه الحنفية مباشرةً مند كنتُ صغيراً، وإلى الآن أنا أتمتع بصحة زينة، الحمد لله، هذه نعمة لكن هذا الكلام يخصك، والسؤال هنا، هل تعرف الظروف الصحية الذي يعاني منها الكثير من الناس، وكذلك نوعية المياه التي تصل منازلهم؟!
أغلبهم - يا دكتور - بسطاء محدودو الدخل، قد لا يعرف معنى تلوث الماء، وكذلك قد لا يستطيع حتى تجديد خزانه المتهالك.
أنا على قناعة أن معظم مصادر مياه الشبكات قد لا تخلو من الملوثات الكيميائية أو العناصر الثقيلة كالكادميوم والسيانيد والزئبق وغيرها، وإذا أجريت عليها معالجة قد ينتج عنها ملوثات مثل مادة الأكريلاميد - وملوثات الأنابيب والأجهزة كالنحاس والرصاص والنيكل.
من حيث نسبة المواد الصلبة الذائبة الكلية في مياه الشرب غير المعبأة التي تتراوح بين (1000 - 100) جزء في المليون وهي النسبة المسموح بها في المواصفة وتشكل مجموع الأملاح والعسر الكلي، والكثير من الناس يعانون من مشاكل صحية كأمراض الكلى والضغط وزيادة الأملاح..
والنسبة المرتفعة التي أقرتها المواصفة الخليجية تحتاج إلى مراجعة وقد تشكل خطراً صحياً.
لا يمكن أن يقنعنا الدكتور بأن الحل هو شرب ماء الصنبور، كما أن توجيه النداء لعموم السكان، فيه شيء من التسرع، لم يؤخذ في الاعتبار معاناة بعضهم صحياً، كما أن التغطية للمياه المحلاة لم تصل لجميع مناطق المملكة.
حكومتنا وضعت الرؤية المستقبلية لتحقيق راحة المواطن، لكن هناك هامش من الوقت لإنجاز الخدمات والمشاريع الكبيرة.
علينا أن نعد أنفسنا للمحافظة على نعمة الحياة لمواجهة التحديات.
منصور الصلبوخ
أخصائي تغذية وملوثات



