13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ثنائية الحلم والأمل (6-6)

حدثتنا أعمال فناننا الشاب بكثير من المعاني الفنية والجمالية والوجدانية، وسرى من رآها، تقديرّا يتثنى بقبلات وتحايا، وإعجاب مضاعف باقتناء 9 أعمال من معرضه الأول "الأمل -2014".

نشوة الحصاد لم تمنعه من سماع كل الحوارات التي امتدت حول المعنى والمبنى لكل لوحة ومجسم، ومع انتهاء أيام معرضه، بإشادات أقلام وصحف وعيون راصدة، دشن اسمه على خريطة الفن في بلادنا، فكل فعل مقنع للذائقة الفنية له تبعاته المسافرة حلمًا وأملًا، والمغروسة قبلًا جهدًا وعملًا، أصداء المعرض بما حمل من رؤى والكتيب الفاخر بما حوى، تركا انطباعًا حسنًا عند جمهور الفن وطلبًا موازيًا للصالات الفنية المتلهفة للطرح الحداثي.

توالت عليه دعوات من خارج المنطقة والمملكة، نختار بعضًا منها، مشاركة ضمن "جاليري أجنحة عربية- جدة 2015"، وأخرى ضمن معرض مسابقة الشيخة سعاد الصباح في "الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية"، مع تقديمه ورشة عمل خاصة به 2016، تبعها بحضور مميز ضمن معرض "حدود الهوية- جاليري الرواق البحرين"، وفي ذات السنة والمكان مشاركة مكثفة في معرض "شواهد"، وفي قصر المربع بالرياض قدم عملًا مفاهيميًا بعنوان "الجوهرة- تراثنا ٣"، وحضور فعال في معارض "جاليري الفن النقي -2017"، ومشاركتان ضمن معارض "مسك الفنون - الرياض 2017-2018"، ومعرض "الما وراء" في تراث الصحراء، فضلًا عن مشاركاته المستمرة مع جماعة الفن التشكيلي بالقطيف وأخرى متفرقة ضمن فعاليات في الأحساء والجبيل والدمام والخبر.

هذا التواجد المميز في الداخل والخارج جعل اسمه يتردد عند المتلقي المحلي، حتى باتت أعماله تعرف من وسط عشرات العارضين دون أن يقرأ توقيعه، انطبع أسلوبه في ذاكرة المشاهد، وخصوصًا المتابع، إذ يستطيع أن يستدل على أعماله من أول نظرة، فألوانه وخطوطه تدلنا عليه.

فهو الغارق في الحلم، مسافر مع اللون والأمل، ريشته لا تهدأ، يداه تحرضانه على المزيد من الإنتاج، ثقل الأفكار والتصورات ترجمها عبر مسيرة إنجازات تجاوز عمرها العشر سنوات وجاءت اشتغالًا على النحو التالي:
١- مرحلة التجريد.
٢- مرحلة الطباعة والكالغرافي.
٣- مرحلة الفيگر.

أعماله تمحورت ضمن نسق هذه التجارب الثلاث، حسب الفكرة وما يتناسب مع أي منهما، وكل إنتاج جديد يضيف أبعادًا أخرى، مبقيًا على تكنيكه الموحد في كل تجاربه، وأصبح لمجاميع أعماله عناوين مختلفة، "الأمل" "حب" "حب وحرب " "اختلاط طبيعي" "بس كلام ""رصاصة"، وبعض هذه المسميات يطلقها تحديدًا على مجموعة أعمال متتابعة، وأخرى يطرحها ضمن سلسة تمتد من ثلاثة أعمال أو أربعة، وجزء منها يسميها بأحد مسار التجربة بعينها، وبإنتاج عدد هائل مثل "تجربة الفيگر" بشقيها: التشخيصية المجردة، والتشخصية التعبيرية، وكذلك "تجربة الطباعة" بنوعيها التفريغ واللصق.

حقيقة أعماله على مدى عقد من الزمن كلها محطات غنية وتجارب ثرية، جديرة بقراءات فنية منفصلة، هنا لا يسعنا تقديم كل منجز وكل تجربة بشيء من التفصيل لأن المقام سيطول بنا كثيرًا، خلاصة القول بأن أعمال فناننا لها رؤية لافتة وريشته لها بصمة مميزة عن الآخرين، أعماله غنية لونيًا وممتعة بصريًا تحمل مضامين إنسانية، عنوانها الجمال، وطرح مزيد من آيات الإعجاب لشاب بعمر 31 عامًا استطاع خلال عقد من الزمن أن يوجد له مكانًا في الساحة الفنية المليئة بالأسماء المعروفة والأسماء البارزة من كل الجنسين، وكثير منها تسبق عمره الزمني بعقد ونصف على أقل تقدير.

وتقديرنا لهذا الشاب يتضاعف إعجابًا على إعجاب، فهو ليس خريج أكاديمية فنون أو معهد فني أو قسم للتربية الفنية، بل هو مهندس متخصص في مجال الكهرباء، أغواه الفن منذ نعومة أظفاره لقي تشجيعًا مبكرًا وعلم نفسه بنفسه، رعى موهبته وطورها وقدرها أيما تقدير، إنه بحق فنان عصامي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أنامله والريشة أسمعتنا في آخر المطاف "بوح المجسمات": المجسمات هي إحدى العلامات البارزة في مسيرته الفنية فقد أثقلته بكلفة باهظة في التجهيز والتحضير والتنفيذ ماديًا وجسديًا وزمنيًا، هي خلاصة معرضه الأول الموسومة بالمغامرة منذ لحظة التصور إلى آخر لمسة، رحلة طوت أربعة أشهر إلا قليلًا، يقف الرائي متأملًا يخطو نحو المجسم ويلتف حول الآخر ويجول ببصره بين التوائم الأربعة، يتفقد الأبعاد، يتحسس بأنامله محيط التضاريس هبوطًا وصعودًا - والمتدرجة قياسًا 50، 40، 35 سم - يبتعد ويقترب.

إنها حالة جذب يفرضها طوعًا انسيابية المجسم الممتد بطول مترين، والمشكل بكدوح وانحناءات ونتوءات وتعرجات، دبيب بوح يفضح عن بنيتها وعن تركيبتها، جذع شجرة، ايحاء أنثوي لجسد مجرد، تخرج من لحائها، من جلدها كائنات عشق ملونة، تستحم بالضوء البرتقالي المطوق بحزام من نقط، ينسل من كيانها ترقرق ألوان الدفء ذات اليمين وذات الشمال، ومن مساماتها تزفر ألوان البرد والورد منثورات في علو وانخفاض، ترمومتر حب ووجد وهيام.

إيقاع الشكل يغري الجوارح باشتعالاتها اللونية، ينتفض السالب والموجب في اجتذاب فطري بطعم اللغز، بأحلام الخصب، وسر المواجع، انعكاسات الروح للروح تتقاطر بالأزرق والأخضر جنودها المجندة تقع أسرى في حميمية الأحمر الفوسفوري وأتباعه، ترتمي لا شعوريًا في صبوات البنفسج، وغوايات الأصفر الليموني المبعثر، نثرات برتقالية مستها همس الآهات دفقات ألوان، ملتاعة فاضت سحرًا، فأودتهم سكرًا في غياهب اللاوعي، غابت الذات في الذات، التحما في ما وراء اللون والشكل، رغائب حلم.. رذاذ ضوء.. أنفاس أمل تخرج من خبايا من خلايا المجسمات الأربعة، كائنات حالمة ترفل بتغاريد الأمل، تنثره فرحًا وزهوًا على محيا الناظرين، كائنات الأمل لم تزل تهتز بارتعاشات أنامل الفنان القابضة على جذوة الأمل.. عنفوان لوني مضرج بألوان قوس المطر.

وهكذا طاف بنا الفنان المبدع "جاسم الضامن" عبر لوحاته ومجسماته، عبر خطوطه وتموجات أشكاله وتكويناته اللونية الآسرة، أخذنا إلى فضاءات رحبة اتخذت من الحلم سفرًا ومن الأمل تجددًا للحياة، أمل مزهر بقيم المحبة والخير والجمال.

"همسة أخوية"
إخوة وأخوات يا من قرأتم سطوري والكلمات، دعواتكم القلبية بأن يمن الله على فناننا جاسم بالشفاء العاجل، فهو منذ ثلاثة أشهر لا يقوى على مسك الفرشاة؟!


error: المحتوي محمي