12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

نفحات رمضانية

"اللهم أدخل على أهل القبور السرور"

إنه ضخ معنوي يسكب على الروح الإيمانية المتوقدة في هذا الشهر الكريم، فتتحرك قوى المؤمن وإرادته نحو تحرير النفس من أغلال الشهوات المانعة من الانطلاق في ميدان القرب الإلهي، فيتحفز لإتيان الأعمال الصالحة التي تنور قبره بعد الرحيل، فالذنوب ظلمة وكدر وحزن وتحسر، وأما العمل الصالح فنور يسعى بين يديه يوم القيامة ويبعث له السرور والراحة في قبره، وهذه ومضة فكرية ينبغي أن لا تغيب عنه في كل ما يقدم عليه من قول وعمل، فتصرفه يتأرجح ما بين نور وسرور أو ظلمة وألم، واستقامته وورعه يدخل السرور على الموتى ممن انقشعت عن بصيرتهم غشوة الغفلة والشهوة، فأدخل على الموتى السرور بتنبهك لخطر المعاصي والغفلة والتكاسل عن إتيان الخيرات والأعمال الصالحة، فإنهم يفرحون حينما يرون صلاح واستقامة المؤمنين - وخصوصًا أفراد أسرتهم - فعالم القبور يستشعر الموتى أحوال المقربين منه.

٢ - والوجه الثاني لإدخال السرور على الموتى هو الاستشعار الوجداني لأحوالهم وعدم نسيانهم، ويشع هذا الشعور الإيماني على نفسه التي تنعتق من إصر الشح والأنانية، فيتحرك لفعل كل ما يبعث السرور على موتاه وموتى المؤمنين من قراءة سورة الفاتحة والصدقة وإشراكهم في دعائه وتهجده.

فخلودهم في ذاكرته يحركه نحو هبة ثواب شيء من الأعمال الصالحة لأرواحهم كتلاوة القرآن والصدقة وغيرها عنهم، فالمؤمن صاحب قلب رقيق يعيش رابطة الإخوة مع المؤمنين الأحياء منهم والأموات، فالأحياء يتحسس آلامهم وما يمرون به من ضائقات ومصاعب ويعمل على التخفيف من همومهم، فلا يمكنه التأخر عن مد يد العون والمساندة لمن لجأ إليه، ويمتد شعوره الوجداني لمن ألحدوا تحت التراب فلما يغيبوا عنه في مشهد دعائه "ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان"، ويأمل إدامة العلاقة بهم والتي تربطها الأرواح وليس الأجساد ويسعى لإدخال السرور عليهم، وليس من شيء يدخل الفرح على الميت كشعور الأحياء به وإشراكهم إياه في طاعاتهم، وخصوصًا في الشهر الكريم الذي تتضاعف جوائزه.

٣ - والوجه الثالث في إدخال السرور على الموتى هو عالم الآخرة وما فيه من تجليات الرحمة الإلهية الواسعة، فهناك شفاعة النبي محمد (ص) وأهل بيته (ع)، والتي تشمل العصاة فيتجاوز الباري بعفوه عنهم ببركتهم، وهناك الأمن من فزع يومئذ وأهواله، وطلب المغفرة الإلهية يشمل بها نفسه وإخوانه المؤمنين الأحياء والأموات، كما أن المؤمن يهبه الباري الشفاعة في أربعين مؤمنًا كما ورد فلا ينساهم من طلب العفو الإلهي.

٤ - والوجه الرابع لإدخال السرور على الموتى هو الإحسان وتقديم المعروف لأسرته وذريته، فإن ضياعهم من بعده من الجهة المادية بعد فقد معيلهم يؤلمه ويحزنه، ورعايتهم وتفعيل مظلة التكاتف الاجتماعي وتقديم المساعدة المالية وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة يسر معيلهم الراحل.

كما أن رعايتهم المادية تشمل تسهيل أمورهم وتوجيههم وإرشادهم نحو الخير والصلاح، فالمرء يحفظ في ولده وأرحامه، فتذليل العقبات للأحياء بعنوان الصلة مع الميت يسره، فقد كان رسول الله (ص) إذا أعد الطعام في بيته يأمر بشيء منه لبيوت نساء ارتبطن بصداقة مع زوجته السيدة خديجة (ع)، ويقول (ص): "إنهن صويحبات خديجة".

٥ - من أوجه إدخال السرور على الميت استذكار شيء من سيرته العطرة ومواقفه وكلماته الطيبة، قال تعالى: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}، فإن الميت يسر بحضوره المعنوي معهم فلم تنسه ذاكرتهم.

٦ - ومن أوجه سرور الميت الحفاظ على امتداد أعماله الخيرة من صدقات أو أوقاف أو جهات خيرية لرعاية الأيتام وقضاء دينه وتنفيذ وصاياه، فما بقيت واستمرت تتابع الثواب إليه.

٧ - ومن أوجه سرور الميت التجاوز عن أخطائه وخلافاته الأسرية والاجتماعية مع جيرانه وأصدقائه، فيسامحه الأحياء ممن تجاوز عليهم، أو يسعى أولاده وأصحابه لطلب المسامحة وإبراء ذمته ممن أساء لهم.

٨ - والوجه الأخير لإدخال السرور على الموتى هو السرور التام الذي لا منغص يتخلله للأحياء والأموات، وذلك بلحظة قيام راية الإصلاح والعدالة الاجتماعية على جميع أرجاء المعمورة بدون استثناء، وذلك بقيام الدولة المهدوية بعد طول صبر وانتظار، فحينها تنقشع كل آلام الناس ومعاناتهم من الفقر والجوع والهموم والديون بعنوان كلي لا جزئي كما في زمن الغيبة، ويشير إلى هذا المعنى ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في حديثه عن نهضة الإمام المنتظر (عج): "ولا يبقى مؤمن إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، وذلك حين يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم" (كامل الزيارات ص ١١٩).


error: المحتوي محمي