12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

التكنولوجيا هي السبب

إن أغلب العلاقات الإنسانية البينية هي علاقات أصيلة البنية، مثل علاقات النسب والقرابة والدم، وكذلك بعض العلاقات الأخرى مثل الزمالة الدراسية والمهنية والخدمية التطوعية والاجتماعية الأخرى. كل هذه العلاقات هي مفروضة علينا اعتباريًا وإنسانيًا ومهنيًا شئنا أم أبينا، ويجب التعامل معها بمقاييس واضحة يفرضها الدين، والأخلاق والنظم والأعراف.

تبقى علاقة واحدة فقط لا تخضع ربما لهذه المفاهيم الضمنية بشكل مطلق، لأن بنيتها مختلفة من الأساس، لهذا فإن لها أسسًا واعتبارات مختلفة قامت عليها خلاف باقي العلاقات البينية الثنائية والجماعية، وإن خرجت بعض الأحيان من رحم العلاقات التي قدمنا بها، وهي القرابة وما شاكل.

هذه العلاقة هي علاقة الصداقة بمفهومها الحقيقي وليس مفهوم العلاقات العابرة، هذه الصداقة والتي تعد ضرورة حتمية إن صح التعبير لا يستغنى عنها الإنسان، بل هو يبحث عنها دومًا، مع أنها دائمًا ما تأتي بشكل عرضي وغير مخطط له، ولا هي في وارد المسلمات الضرورية، ولكن حين يخوض المرء التجربة تراه لا ينفك يطلبها، ويستأنس بها، لأنه يجد فيها متنفسًا لا يكاد يجده في العلاقات الأخرى، حيث إن السر في هذه العلاقة وخاصة الثنائية هو ذلك الانفتاح والانكشاف الذي يكون بين الصديقين، بحيث يفرغ كل واحد للآخر ما لديه من شحنات، وما يكتمه من ملمات، لا يمكن أن يفعله مع الآخرين بأي شكل من الأشكال.

تبقى المشكلة الأصعب، وهي أين هو هذا الصديق الذي تأتمنه وتأمنه؟ ذلك الذي يحفظ سرك، وينصحك بحيث لا يضرك، ويهمه أمره تمامًا كما يهمه أمرك.

أين نجد ذلك الإنسان الذي يقدمك ربما على أولوياته وعلاقاته الأخرى، وينصهر معك انصهار التوأمة الصادقة، واللحمة الواحدة.

ربما كانت هذه العلاقات موجودة في زمننا القديم، لهذا نحن نرى بعضها لا يزال قائمًا بين من نعرفهم من الأجيال السابقة، ولكن نادرًا ما نجد صداقات مستمرة كما كانت، والأسباب واضحة جدًا، ففي خضم تجاذبات الحياة، والعصرنة اللاهثة وراء المغريات، ووسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية والتي شغلتنا حتى عن أنفسنا، افتقدنا فعلًا لتلك العلاقة الحقيقية المهمة، بل إننا هدمنا حتى باقي العلاقات سواء الأسرية أو العملية أو الاجتماعية الأخرى، والتي تعرضنا لها مقدمًا، واكتفينا بالتعامل معها إلكترونيًا في الغالب الأعم.

إن الصداقة الحقيقية في هذا الزمن هي عملة نادرة، واكتشافها يكاد يكون مستحيلًا، وكثير من العلاقات تفشل في وسط الطريق لأتفه الأسباب، ليبقى الصديق الحقيقي الذي لم تلده أمهاتنا مجهولًا إلى غير أجل مسمى. ولربما يكون هو بجانب أحدنا، ويأنس به ويرتاح منه كما هو الآخر، ولكن يظل التوجس والريبة والتردد حائلًا ومانعًا من أن ينفتح الأول على الآخر لتظل العلاقة شكلية، ونادرًا ما تنبني على صدق ومحبة لتنطلق بعد طول معاناة.

نحن لا نضع التشاؤم عائقًا أمام تطور العلاقات، وتشكل الصداقات، فهي من مسلمات الحياة، نحن نقول فقط إنها أصبحت نادرة في خضم ما نعانيه في هذه الحياة، فهذا الإنسان غير القادر على بناء علاقة أسرية سليمة، ولا على صلة رحم دائمة، كيف له أن يبني علاقة مع إنسان هو في الأصل غريب عنه.
ولربما شكّل علاقة، ولكن من المستحيل أن تستمر وهو في الأصل قد أخفق في بناء علاقة هي أولى وأهم مع رحمه وذويه.

الصداقة خيمة دافئة، وملجأ يحتضننا من غربة الحياة، وهي سنة إنسانية، ويبقى فقط أن نعرف قيمتها، وأن نثق في بعضنا لنبنيها كما كانت سابقاً قبل أن تلهينا التكنولوجيا والتي أحسب أنها السبب في هدم كثير من العلاقات الاجتماعية، وإننا نثق بوجود الصديق، ولربما يكون أبًا أو أخًا أو زوجة، وهذا فعلًا ما يحصل كثيرًا، وهو خير على خير، فلا أفضل من أن يحفظك ذو صلة رحم، فالمودة أعمق، والصلة أمتن، ولا يخرج الظفر من اللحم، ويبقى الصديق الآخر غريبًا مهما كان حبيبًا وقريبًا.


error: المحتوي محمي